فيها 162435 تلميذ/ة ليحصدوا حصيلة ما لا يقل عن 13 سنة دراسة ( دون احتساب القسم التحضيري)، والقيمة الرمزية للباكالوريا في تونس لا تحتاج إلى اثبات فهي بالنسبة لجلّ العائلات والتلاميذ المفتاح الرئيسي لمستقبل يكتنفه غموض متزايد.
في هذا العدد الهام من المترشحين والمترشحات هنالك رقم مفزع لم نتوقف عنده بما فيه الكفاية وهو عدد المترشحين في شعبة الرياضيات: 8112 والذي يمثل بالكاد 5 ٪ من جملة المتقدمين للامتحانات (4،99 ٪ تحديدا) بينما كانت هذه النسبة 5،42 ٪ في السنة الفارطة فقط.
قصة تونس مع الرياضيات تترجم لوحدها أزمة المدرسة التونسية منذ الاستقلال إلى اليوم.
في العقدين الأولين للدولة الوطنية كانت الرياضيات (منذ التعليم الابتدائي) أهم عنصر للفرز وللانتقاء، ففي الامتحان الوطني للسنة السادسة ابتدائي كان ضارب الحساب 4 وهو نصف الضوارب مجتمعة (8،5 تحديدا، 4 للرياضيات و2 لامتحاني العربية و2 لامتحاني الفرنسية ونصف ضارب للاملاء باللغة الفرنسية) علاوة على أن تدريس الحساب كان يتم باللغة الفرنسية.
وفي أواسط سبعينات القرن الماضي كانت معاهد قليلة على امتداد كامل تراب الجمهورية تضم شعبة للرياضيات بفصل وحيد.
لقد كانت هذه المادة الدابة السوداء للغالبية الساحقة من التلاميذ ومن عائلاتهم وهذا بحد ذاته مفارقة عظمى لأن دور المدرسة، كلاسيكيا، هو تعليم الحساب والقراءة واعتبار كل المواد الأخرى متفرعة عنهما...
ماذا فعلت الدولة التونسية منذ أواسط السبعينات لتجاوز هذا الاشكال؟ بداية حذفت شعبة الرياضيات وعوضتها بالرياضيات والعلوم (منذ سنة 1976) ثم أعادتها بعد ذلك مع تبسيط مستمر للبرنامج وحذف بعض الفصول التي كانت تعد معقدة للغاية.. مع ادخال أسئلة مباشرة من الدرس في الامتحانات (des questions de cours) وهذا مناف بطبعه للرياضيات.. بل وامتد هذا النوع من الأسئلة إلى الفلسفة ذاتها تلك الدابة السوداء الثانية..
إلى حدود منتصف السبعينات اقتصر التوجيه في المرحلة الثانوية الطويلة على شعبتين أساسيتين: الآداب والعلوم مع معاهد محدودة تدرس الرياضيات وأخرى الرياضيات والتقنية..
بعد ذلك تقرر احداث خمس شعب أساسية انطلاقا من السنة الثانية للمرحلة الثانوية الختامية: آداب ورياضيات وعلوم تجريبية وعلوم تقنية واقتصاد وتصرف ثم في أواخر العقد الأول لهذاالقرن علوم الإعلامية.
والفكرة كانت أن تضم هذه الشعب الخمس خمس التلاميذ بما سيرفع آليا من نسبة التلاميذ الموجهين للرياضيات.
قبل عشرين سنة وتحديدا في السنة الدراسية 2006/2005 كانت نسب الموجهين الجدد لهذه الشعب الخمسة في نهاية السنة الثانية من التعليم الثانوي كالتالي:
- الآداب: 33،8 ٪
- الرياضيات: 15،4 ٪
- علوم تجريبية: 25،8 ٪
- علوم تقنية: 6،1 ٪
- اقتصاد وتصرف: 18،5 ٪
ثم لما تم احداث شعبة علوم الاعلامية أصبحت هذه النسب الدراسية 2011/2010 كالتالي:
- الآداب: 23،9 ٪
- الرياضيات: 14،0 ٪
- علوم تجريبية: 28،7 ٪
- علوم تقنية: 6،1 ٪
- علوم تقنية: 6،1 ٪
- علوم الاعلامية: 7،6 ٪
- اقتصاد وتصرف: 19،1 ٪
إذن أدى التبسيط النسبي في مادة الرياضيات مع سياسة توجيه معينة إلى نوع من التوازن داخل مختلف الشعب في التعليم الثانوي ( هذه أرقام وزارة التربية وهي تخص فقط التعليم العمومي).
ولكن حصل بعد ذلك تراجع مذهل لنسبة الموجهين إلى شعبة الرياضيات فبعد 15،4 ٪ سنة 2006/2005 أصبحت هذه النسبة في حدود 10،5 ٪ سنة 2016/2015 ثم 7،5 ٪ سنة 2021/2020 لتصل إلى 6،6 ٪ سنة 2025/2024 مقابل التضخم المطرد لشعبة الاقتصاد والتصرف التي انتقلت من 18،5 ٪ سنة 2006/2005 إلى 33،2 ٪ سنة 2025/2024.
لا نعتقد أننا أمام اختلال متزايد خططت له السلط العمومية بل أمام انزياح مطرد نتيجة تدني المستوى العام في مادتي الرياضيات والفيزياء وأيضا إلى حدّ ما العلوم الطبيعية بما جعل شعبة الاقتصاد والتصرف تصبح في الأغلب الأعم شعبة اضطرارية لا اختيارية.
وتفضح الرياضيات أيضا حجم التفاوت الجهوي الذي تعاني منه المدرسة التونسية.
عندما نقف عند نسبة المترشحين للبكالوريا من شعبة الرياضيات وفق المندوبيات الجهوية الستة والعشرين (مندوبية جهوية لكل ولاية باستثناء ولايتي تونس وصفاقس) في سنة 2025-2024 نلاحظ أن هذه النسبة هي دون 10 ٪ في 25 مندوبية إذ وحدها صفاقس الأولى تجاوزتها (12،8 ٪) بينما لا تمثل هذه النسبة سوى 2،7 ٪ في القصرين و3،5 ٪ في سيدي بوزيد و1،5 ٪ في تطاوين و3،7 ٪ في زغوان.
ونجد أنفسنا هنا أمام أحد أهم عناصر اشتغال عقل الدولة التونسية منذ عقود: الرياضيات معقدة على جلّ التلاميذ؟ إذن نبسط البرامج.. التلاميذ لا يتمكنون رغم ذلك من التميز! إذن نخلق شعب ظاهرها علمي - اجتماعي.. يبدو أن العقل الباطن للدولة التونسية لم يستوعب فكرة أن التمّيز في الرياضيات أي في ناصية العلوم هو أمر متاح للغالبية الساحقة من التلاميذ والتلميذات وأن الاشكال لا يكمن في الاستعدادات النظرية لعقل التلاميذ بل في المناخ المحيط بهم بدءا من العائلة وصولا إلى كل مكونات المدرسة والتدريس.. ثم أنه لا وجود لهرمية ذهنية في المواد فالتميز في الرياضيات يتناغم تماما مع التميّز في سائر العلوم وفي اللغات وفي الفلسفة أيضا.
هذا إن لم نقارب الرياضيات مقاربة تقنية فقط أي مجموع المعادلات والقواعد التي ينبغي تطبيقها لحلّ مشكل رياضي بسيط بل ثقافة الحدس وثقافة التجريد والقدرة على توظيف معارف مختلفة لتحليل مسألة معينة ثم البرهنة المنطقية وحذق التفكير الافتراضي الاستنتاجي. هذه الثقافة الرياضية (littératie mathématique) هي التي تسمح للمواطن والمواطنة بأن يتمكنوا من توظيف مختلف هذه المناهج في الحياة اليومية وهي التي تحدث الفارق شخصيا ومهنيا فيما بعد وهي التي يجد فيها تلاميذنا صعوبات جمّة لأنهم لم يتعودوا عليها على امتداد سنوات الدراسة والعيب ليس فيهم ولا في الاطار التربوي ولا في المدرسة ولا في العائلة العيب هو في غياب تصور وطني يجعل من التمّيز الفردي والجماعي هدفا يُخطط له.
سنة 1980 قررت دولة سنغافورة احداث مخطط وطني للرياضيات هدفه خلق جيل من المتميزين عالميا في الرياضيات.. ومنذ عقد ونصف أصبح تلاميذ سنغافورة هم الأوائل عالميا لا فقط في الرياضيات بل وفي العلوم وفي فهم وتفهم النصوص..
رؤية فإرادة فخطة فتمّيز.. تلك هي الوصفة باختصار في الرياضيات وفي التعليم وفي الاقتصاد وفي الحياة..
----------
• جلّ الأرقام الواردة هنا مأخوذة من نشرية «الإحصاء المدرسي 2025-2024» المنشورة على موقع وزارة التربية