خشية أن تستأنف الحرب وأن تنزلق المنطقة إلى حرب شاملة لا ناجي منها. ففي فجر أمس نفذت القوات الأمريكية سلسلة من العمليات العسكرية استهدفت مواقع وقواعد إيرانية، مقابل شن إيران هجوما على قاعدة أمريكية في الكويت.
تطور بدا للوهلة الأولى وكأن المنطقة تتجه إلى حرب شاملة وتصعيد لا تهدئة بعده، خاصة إذا أخذنا بعين الاعتبار الاعتداءات العسكرية الإسرائيلية على لبنان وإعلان قادة دولة الاحتلال عن توجيه تعليمات باستهداف بيروت، لكن بعيدا عن الغبار المتصاعد من المواقع المستهدفة وحدة التصريحات الصادرة من هنا وهناك، فإن المشهد على الأرض يقود إلى استنتاج مختلف كليا.
إذ إن المنطقة التي أوحت تطورات الساعات الأولى ليوم أمس بأنها على أعتاب حرب شاملة، في الحقيقة لم تغادر مربع إدارة التوتر ضمن سقف مضبوط لا يسمح بانفجار الوضع وخروجه عن السيطرة، خاصة وأن الإدارة الأمريكية ودولة الاحتلال تدركان أن إيران لم توظف كل أوراقها بعد، والقصد هنا ورقة باب المندب، التي وقع التلويح بتفعيلها إن استمر انتهاك وقف إطلاق النار الذي يشمل، وفق قادة إيران، لبنان.
هنا، ومن خلف التصريحات والتحركات الميدانية، تتجلى حقيقة أن كل أطراف الصراع اليوم في الشرق منشغلون بضبط وصياغة ملامح المشهد الإقليمي أكثر من انشغالهم بالحرب أو توسعتها، أي أن التحركات والتصريحات تكشف أن الهدف منها ليس تدمير إيران وحلفائها في المنطقة، بل إعادة تشكيل المشهد الإقليمي على قاعدة موقع ووظيفة جديدة لإيران ضمنه لا خارجه.
هدف كشفته تصريحات الرئيس الأمريكي دونالد ترامب الذي، وبعد أسابيع عديدة من التأكيد على أن قواته قضت كليا على القدرات العسكرية الإيرانية أو اقتربت من ذلك، عاد ليعدل خطابه ويؤكد أن القدرات العسكرية والجيش الإيراني ما زالا لاعبين رئيسيين في المشهد، وأن إدارته ستضغط من أجل إضعافه، مما يعني ضمنيا التخلي عن هدف القضاء على القدرات العسكرية الإيرانية، تماما مثلما وقع التخلي عن هدف إسقاط النظام أو الحسم العسكري السريع.
فالوقائع دفعت الإدارة الأمريكية إلى مراجعة أولوياتها لتتخلى عن أهدافها السابقة وترسم أهدافا جديدة، وهي احتواء إيران ضمن توازن إقليمي جديد، عبر الضغط الاقتصادي والعسكري من أجل دفع طهران إلى التخلي عن نفوذها الإقليمي الذي راكمته خلال العقود الماضية، والهدف هنا هو ضمان استقرار المنطقة وتأمين الممرات البحرية وفق ترتيبات أمنية أمريكية.
ترتيبات أمريكية لا يمكن تفكيك خطوطها دون الانتباه إلى التصريحات الأخيرة لترامب عن الجيش الإيراني الذي بات يتحدث عن إضعافه، أي العمل على تقليص قدرات المؤسسات العسكرية الإيرانية دون الدفع إلى انهيارها لمنع الفوضى. فما يريده اليوم الرئيس ترامب هو مؤسسة عسكرية إيرانية يقتصر دورها على حماية المجال الجغرافي الإيراني فقط، دون قدرة على حماية المجال الاستراتيجي الذي رسمته طهران خارج حدودها منذ سقوط نظام صدام حسين.
وهو ما يعني أن أمريكا لا تبحث عن تفكيك الجيش الإيراني أو التدمير الكامل لقدراته بقدر بحثها عن تغيير وظيفته وعقيدته القائمة على "التوسع الدفاعي"، أي نقل خطوط الاشتباك إلى خارج المجال الإيراني، أي إلى جبهات خارجية مثل لبنان والعراق واليمن. وهذا ما كشفته العمليات العسكرية الأخيرة وتصريحات الرئيس، فكلاهما يكشفان عن استراتيجية أمريكية تقوم على احتواء إيران وتقليص شبكة نفوذها من أجل إدماجها في المنظومة الأمنية للمنطقة لضمان سلامة الملاحة في الممرات البحرية، هرمز وباب المندب.
فالحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران اليوم لم تعد أداة لتحقيق النصر، فمنذ أن فشل الحسم العسكري السريع باتت الحرب والعمليات العسكرية أدوات لتحسين شروط التفاوض ونقل الرسائل، لتكون كل عملية وكل تصريح جزءا من معادلة أشمل وأوسع تتعلق برسم الموازين وتحديد إطار التسوية الممكنة، وهذا ينطبق على العمليات العسكرية الأمريكية الأخيرة التي تكشف كل تفاصيلها أن هدفها هو الضغط لتحسين شروط المفاوضات.
والأمر لا يختلف جذريا في علاقة بالملف اللبناني والتصعيد الصهيوني، فالجبهة اللبنانية جبهة مركزية في الاستراتيجية الإيرانية، واستهدافها يتم عبر الضغط على حزب الله من أجل تحقيق هدفين رئيسيين: الأول للاحتلال الذي يرغب في فرض ترتيبات وتوازنات جديدة ترسخه كلاعب رئيسي في محيطه المباشر، والثاني هو الضغط على إيران لتقديم تنازلات في ملفات أخرى.
فالمعارك اليوم هي معارك إعادة تشكيل الشرق الأوسط وخرائط النفوذ فيه، بما يشمل الممرات البحرية. فالحرب الأخيرة كشفت أن إيران هي من تمتلك اليد العليا على الممرات البحرية، سواء مضيق هرمز الذي يقع في امتدادها الجغرافي أو باب المندب، مجال نفوذ حليفها الحوثي، أي أنها تمتلك نفوذا على تدفقات التجارة والطاقة، أي على الاقتصاد العالمي.
لذلك فإن ما نشهده اليوم ليس استئنافا للحرب وسعيا إلى القضاء على إيران وحلفائها، بل محاولة لتحسين شروط التفاوض في سياق تشهد فيه المنطقة برمتها عملية إعادة هندسة عنوانها الرئيسي احتواء إيران وإعادة تعريف دورها، وما يقع اليوم هو تحركات على هامش هذا العنوان ولا يخرج عنه إعادة توزيع النفوذ والتوازنات بكل السبل الممكنة.