Print this page

رغم التحسن الطفيف في المؤشرات: نموّ هش وبطالة مرتفعة

أصدر المعهد الوطني للاحصاء منذ أيام بيانين

صحفيين يتعلقان بالنمو الاقتصادي وبمؤشرات البطالة والتشغيل للثلاثي الأول لهذه السنة.

في البداية نلاحظ تحسنا طفيفا في المؤشرات العامة إذ بلغت نسبة النمو بالانزلاق السنوي (أي مقارنة بالثلاثي الأول لسنة 2015) تطورا بـ 2،6 ٪ كما تراجعت نسبة البطالة إلى 15 ٪ وهي أفضل نسبة على امتداد العشرية الفارطة...

ولكن هذا التحسن الطفيف لا يفيد مطلقا بأن الاقتصاد الوطني بصدد التعافي لأن هشاشته الأساسية مازالت قائمة ولأن هذا التحسن الطفيف موسمي مرتبط، مرة أخرى بنمو الفلاحة بـ 6،8 ٪ بينما بقيت بقية القطاعات في نمو ضعيف مع تواصل التراجع العام لقطاع البناء والأشغال العامة بـ 7،1 ٪ سلبي. هذا إضافة إلى النمو بالانزلاق الثلاثي (أي مقارنة بالثلاثي الذي سبقه) قد كان سلبيا -0،3 ٪.

هذه الوضعية ليست وليدة اليوم بل نحن نعاني من حالة نمو هش منذ ما يقارب عن العقدين ولو اعتمدنا على احتساب الناتج المحلي الاجمالي بالدولار بدلا عن الدينار لوجدنا أننا في حالة ركود بل وانكماش على امتداد عدة سنوات.

في سنة 2000 كان الناتج المحلي الاجمالي في حدود 21،5 مليار دولار ثم ارتفع إلى 46،2 مليار دولار في 2010 أما في 2024 فهو لم يصل إلا إلى 51،3 مليار دولار.. واحتساب الناتج بالدولار مهم للغاية لأنه يعطي الصورة الحقيقية لقدرتنا التنافسية في هذا العالم المليء بالمخاطر.

وهذا يعني أننا لم نستطع إلى الآن استرجاع نسق النمو الذي ميّز العشرية الأولى من هذا القرن (وهي ليست العشرية الأفضل في تاريخ تونس المعاصر) فأصبحنا نبتهج بأرقام هزيلة لا تخلق ثروة حقيقية ولا تمهد لاقلاع اقتصادي أو ارتفاع - ولو نسبي - في سلم القيم.

والنتيجة لكل هذا هو بقاء البطالة في مستوى مرتفع للغاية إذ لا يُعَد التراجع من 15،2 ٪ إلى 15 ٪ انجازا هاما خاصة وأن نسبة النشاط مازالت متدنية للغاية عند (45،9 ٪) بينما يكون معدلها في بلدان منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية (OCDE) في حدود 70،3 ٪ وهذا يفسر بالولوج الضعيف - إلى حدّ الآن - للنساء لسوق الشغل فهنّ دون ثلث السكان النشطين (32،3 ٪ في الثلاثي الأول لهذه السنة) وأيضا الصدّ الكبير الذي يجده الشباب (اناثا وذكورا) أمام فرص العمل إذ ارتفعت البطالة عند فئة 24-15 سنة إلى 37،5 ٪ أي أكثر من ضعف المعدل العام.

تفيد كل هذه الأرقام أننا لن نخرج من دائرة النموّ الهش والذي ينتج ضرورة تشغيلا هشا (حسب دراسة للمعهد الوطني للإحصاء صدرت سنة 2020 التشغيل الهش يشمل 44،8 ٪ من السكان المشتغلين) دون استراتيجية طويلة المدى لتحقيق الارتفاع في سلم القيم وهذا يستوجب بداية نسق نموّ حثيث (أكثر من 5 ٪) على امتداد عقدين من الزمن على الأقل يتزامن مع الرفع المستمر في القيمة المضافة للمنتوجات وللخدمات التونسية مع ما يستوجب ذلك من إصلاح حقيقي لمنظومتي التعليم والتكوين والرفع المستمر في قدرة نسيجنا الاقتصادي على امتصاص الكفاءات والمحافظة عليها وخلق الظروف الاقتصادية والاجتماعية للشغل اللائق الذي يكون بدوره محركا يدفع الاقتصاد نحو الأفضل..

لا ينبغي أن نفرح أو أن نحزن على بعض الفواصل الحاصلة كل ثلاثية بل علينا الوعي بأننا في حلقة مفرغة وأن الخروج منها يتطلب رؤية وخطة وإرادة ومساهمة مواطنية وانفتاحا فعليا على كل طاقات البلاد ومناخا اقتصاديا وسياسيا تشاركيا يسهم في تأسيس حلم مشترك ورفاهية ممكنة لبناتنا وأبنائنا..

ما دون ذلك سنبقى نراوح نفس المكان ونحن نتوهم التقدم بفضل بعض الفواصل

المشاركة في هذا المقال