Print this page

عيد الاضحى في تونس: شعائرنا تختبر الدولة

عيد الاضحى من الشعائر الدينية التي لها

حضور عميق في الوعي الجمعي والرمزي للتونسيين مثلها مثل بقية الشعائر التي لا تختزل في بعدها التعبدي، اذ هي عنصر من الهوية الجماعية. لتتجاوز بذلك حيز الدين وتكون جزءا من مساحات المشترك لا فقط الثقافي والاجتماعي بل والاقتصادي.

اذ انه وفي السنوات الاخيرة باتت الشعائر سواء عيد الاضحى او عيد الفطر مساحات قلق اقتصادي مشترك لدى التونسيين، تبرز بشكل صريح وواضح في الشكوى من ارتفاع التكاليف، كما هو الحال اليوم في علاقة بثمن الأضاحي التي يشتكي التونسيون من غلائها الذي قد يحول بينهم وبين اقامة هذه الشعيرة، وهنا لا يتعلق الامر بالفقراء منا او بمحدودي الدخل، فالاسعار الحالية للأضاحي تتجاوز القدرة المادية لجلّ الأسر التونسية.

واقع يعيشه التونسيون اليوم، تتوجه فيه أصابع اللوم والاتهام إلى التجار والفلاحين، الذين ينظر اليهم على انهم السبب الرئيسي والوحيد في ارتفاع الأسعار خاصة هذه السنة التي امتازت بتوفّر المراعي، وبالتالي فان الاسعار لا تعبر عن كلفة الإنتاج وضغطها بقدر ما تعبر عن الجشع.

هذا الانطباع الذي يسود في صفوف جزء من التونسيين قد يساهم الخطاب الرسمي المهاجم لشبكات التوزيع في ترسيخه كحقيقة لا تقبل الشك او الدحض، مما قد يحول دون اي قراءة موضوعية لفهم حقيقة الأسعار المرتفعة والاكتفاء بالانطباع الذي يسقط المعطيات الاقتصادية.

فان اردنا الفهم يجب علينا ان ننظر الى عيد الاضحى من زاوية انه سوق موسمي، والقصد هنا ان شعيرة الحج والنحر (شراء الاضاحي) تصبح محركا لنشاط اقتصادي، هذا النشاط يتضمن بيع وشراء الاضحيات، وفي تونس فان القسم الاكبر من هذا السوق، اي سوق الاضاحي، تستأثر به الاغنام. مما يعني انه ولفهم طبيعة السوق لابد من ادراك التوازنات الاساسية فيه.

هنا ما تخبرنا به الارقام بشكل مباشر وصريح ان السوق تواجه فجوة هيكلية بين العرض والطلب، فالطلب الوطني المرتبط بموسم عيد الاضحى يقدر بين 910 آلاف و930 ألف اضحية، في حين ان القطيع الاجمالي الموجه للسوق الموسمية لا يتجاوز 840 ألفا، وفق المعطيات المتقاطعة الصادرة عن هياكل المهنة او عن وزارة الإشراف، وهذا يجعلنا امام نقص في العرض بين 50 ألفا و80 ألف رأس من القطيع.

فجوة تنتج تلقائيا مناخا للمضاربة والتسعير من خارج منطق التكلفة الحقيقية، وهو ما يشرح الارتفاع المشط للأسعار في السوق اليوم، والتي لا تعبر عن حقيقة تكلفة التربية والتسمين التي تقدر وفق المهنيين أيضا بين 700 و1000 دينار للرأس ـــ أكثر من 70 بالمئة منها توجه للأعلاف ـــ لكن متوسط سعر البيع اليوم في السوق يتجاوز 1500 دينار. اذ ان الاسعار تتراوح بين 800 و3000 دينار للأحجام الكبيرة، مما يشرح ان السوق لا تتحرك وفق معادلة الإنتاج وتكلفته بل وفق حركية موسمية تخضع لعناصر متغيرة.

هذه العناصر تتضمن العامل النفسي والاجتماعي، اي الضغط الذي تعيشه الأسر التونسية المرتبط باحياء الشعيرة، وضعف قدرة الدولة التنظيمية وغياب اي مقاربة لتنظيم السوق وضبطه وتركه تحت نفوذ الوسطاء ومسالك التوزيع، التي تصبح هي من يتحكم في الاسعار ويحددها لا الآلية التي وضعتها الدولة والمتمثلة في السعر المرجعي المرتبط بالوزن الحي، والتي لا تعدو هنا اكثر من آلية تهدئة لا تستطيع إحداث التوازن في سوق موسمية.

وهذا ما برز في موسم 2026 الذي ورغم توفر المراعي فيه بعد هطول كميات هامة من الامطار، الا ان الاسعار ظلت مشطة، تتجاوز متوسط اجر التونسيين، والحال ان توفر المرعى بعد تحسن الغطاء النباتي يفترض ان ينعكس بشكل مباشر على التكلفة ويقلصها بمتوسط للرأس الواحد بحوالي 200 دينار، لكن هذا لم يحدث، والاسباب عدة هنا، فالسعر النهائي لا تحدده التكلفة فقط بل التوقعات النفسية للسوق وقدرة الوسطاء على استيعاب اي هوامش ربح اضافية في سوق يقدر بـ1,4 مليار دينار.

كتلة مالية ضخمة تتحرك في فترة زمنية قصيرة، تجعل من موسم الأضاحي دورة اقتصادية تغيب عنها الدولة في التخطيط والضبط والتعديل والرقابة، لتترك مساحات تحرك لمضاربين لا يشغلهم هاجس حماية التماسك الاجتماعي بقدر تحقيق الربح، وهو ما قد يتفاقم مستقبلا ان لم تتحرك الدولة ومؤسساتها لاعادة تنظيم السوق والتدخل في عملية الإنتاج بسياسات عمومية موجهة وناجعة.

فنحن اليوم امام نمط من التضخم الموسمي يهدد العدالة الاقتصادية والتماسك الاجتماعي، اذ هو تضخم يحول كل مناسباتنا الدينية والاجتماعية الى مراكز ضغط وتوتر اقتصادي واجتماعي على الاسر والافراد، وسبيل الحد منه والتحكم فيه هو اعادة التفكير في نموذجنا برمته، دعم الانتاج وزراعة الاعلاف، تنظيم مسالك التوزيع، وفتح اسواق تسمح للمنتجين بالولوج المباشر والبسيط لبيع قطعانهم وغيرها من الحلول الممكنة.

هذا او اننا سنخاطر بالكثير، فالاضاحي هنا ليست مجرد مؤشر استهلاكي بل هي مقياس سياسي للدولة لمدى قدرتها على ضمان العدالة وتنظيم السوق بحيث لا تكون الشعائر الدينية عبئا على الافراد والاسر يتجاوز طاقتهم ويثقل عليهم

المشاركة في هذا المقال