Print this page

عمادة المحامين والسلطة: هل هي المواجهة؟

نادرا ما تتشكل العواصف المناخية او السياسية او

الاجتماعية بشكل فجائي، حتى وإن بدت لحظة انفجارها مفاجئة في الظاهر. اذ قبل كل اندلاع عاصفة تتراكم مؤشرات صغيرة ومتفرقة لتكونها، وفي صورتها السياسية تتشكل من خلال توتر في الخطاب، وانسداد في قنوات الحوار، وتصاعد الإجراءات المتبادلة، وتحول الملفات القطاعية من مطالب تقنية إلى صراع أوسع حول الشرعية والنفوذ داخل الدولة.

وفي الحالة التونسية، تبدو مؤشرات تصاعد التوتر بين المحاماة والسلطة آخذة في التراكم بهدوء ولكن بثبات. اول هذه المؤشرات لغة بيانات الهيئة الوطنية للمحامين التي لم تعد تتحدث فقط عن صعوبات مهنية او مطالب مرتبطة بظروف العمل، بل عن “تدهور اوضاع المحاكم”، و”المرفق العام للعدالة”، و”المحاكمة العادلة”، و”استقلال القضاء”. هذا التحول في اللغة ليس تفصيلا شكليا، بل يعكس انتقال الأزمة من مستوى قطاعي مهني إلى مستوى سياسي-حقوقي أوسع، أصبحت فيه العدالة نفسها موضوع الصراع.

صراع كشفت السلطة بدورها عن تصورها لكيفية ادارته، عبر طعن تقدم به الوكيل العام بمحكمة الاستئناف بتونس في إجراءات انعقاد الجلسة العامة الاستثنائية للمحامين، والمطالبة بإبطالها وبالتالي إبطال توصياتها بالإضراب العام. خطوة قابلتها عمادة المحامين برد تمثل في الإعلان عن تحركاتها القادمة التي اعتمدت مبدأ التدرج، وهو ما يحمل دلالة واضحة.

فقبل الوصول إلى الإضراب الوطني في 18 جوان القادم، اختارت المرور عبر احتجاجات جهوية تنطلق من 18 من الشهر الجاري، ثم حمل الشارة الحمراء، مع التأكيد المتكرر على أن وزارة العدل لم تتفاعل بجدية مع مطالبها. اذ هي بذلك تبني سردية تقوم على أن الأزمة لم تعد نتيجة تعثر ظرفي، بل نتيجة غياب الإرادة السياسية لمعالجة الاختلالات المتراكمة داخل قطاع العدالة، وهو ما يعني ترحيل المسؤولية إلى السلطة، التي سيحدد كيفية تعاطيها مع مطالب العمادة مصير هذه المواجهة.

سلطة لا يبدو، وفق المؤشرات الراهنة، انها متجهة نحو احتواء الأزمة عبر الحوار، بقدر ما تتحرك بمنطق إدارة التوتر وتفكيك مساراته. فالتحرك القضائي لإلغاء أشغال الجلسة العامة الخارقة للعادة للمحامين، وهو تحرك لا ينظر إليه من قبل المحامين على أنه مجرد إجراء قانوني محايد، بل رسالة مباشرة بأن سقف التحرك المهني والسياسي للمحاماة أصبح محل مراقبة وضبط من قبل السلطة. وهنا يتعزز تآكل الثقة بين السلطة والمحاماة التي اختارت بدورها التصعيد، لتصبح كل خطوة قانونية او تنظيمية، في سياق الاحتقان الحالي، مؤشرا على اقتراب المواجهة وعلى عمق الصراع الدائر بينهما، والذي يتجاوز اليوم ملف المحاكمات العادلة ليصبح متعلقا بحدود الاستقلالية ودور عمادة المحامين.

صراع قد تعتمد فيه السلطة سياساتها المتبعة في احتواء الغضب وتجزئة جبهاته، اذ ان جعبة السلطة لم تحتو فقط على تحرك الوكيل العام، بل ايضا على تحركات الحكومة على جبهات أخرى، ومنها جبهة الاتحاد العام التونسي للشغل الذي تمت مراسلته خلال هذا الاسبوع من قبل وزارة المالية لطلب مقترحاته بشأن قانون المالية. ورغم الطابع التقني الظاهر لهذه الخطوة، فإن توقيتها وسياقها، اللذين يتضمنان ان الحكومات المتعاقبة منذ 2022 لم تراسل الاتحاد لطلب مقترحاته، كما ان الحكومة الراهنة لم توجه اي مراسلة لتهنئة قيادة الاتحاد الجديدة او تستجب لمطالب الحوار معها، يجعل توجيه هذه المراسلة، في سياق تصاعد التوتر مع المحاماة، يوحي بأن السلطة فعلت استراتيجيتها القائمة على منع تشكل تقاطعات بين الاحتجاجات او بين المنظمات.

اذ ان السلطة، ومنذ سنوات، اتبعت خطة تقوم على تجزئة ساحات الغضب وفصل الملفات عن بعضها بهدف منع تشكل جبهة موحدة، فهي تدرك أن الخطر لا يكمن في التحرك المنفصل، بل في احتمال التقاء التحركات والسرديات الاحتجاجية داخل ساحات وخطاب موحد يتحدث عن ملفات العدالة الاجتماعية، والحريات، والمحاكمات العادلة، والأزمة السياسية في آن واحد. لذلك فهي تعتمد هذه المقاربة التي قد يكون هدفها اليوم منع تشكل جبهة بين الاتحاد والمحامين، خاصة بعد اللقاء الذي جمع قادة المنظمتين قبل ايام.

رهان قد لا يكون هدف السلطة منه فقط احتواء الأزمة عبر دفع المحامين للتحرك بمعزل عن بقية الساحات، بل قد يكون الرهان هو عزل المحاماة عن محيطها التقليدي تمهيدا للمواجهة بينهما، خاصة وان خطاب انصار السلطة يمهد لهذا الصدام ويهيئ له الأرضية عبر سردية تشكك في استقلالية الهيئة.

سردية تكشف عن تصاعد توتر الخطاب من الجانبين في هذه المرحلة على الأقل، التي تتميز اليوم بتغير الضغط داخل المجال السياسي والمؤسساتي المشترك بين الطرفين، وبالقناعة التي تتسرب في الخطاب والإجراءات، اذ يبدو ان كل طرف بات مقتنعا بأن الآخر لا يستجيب إلا تحت الضغط. ضغط يمارس اليوم عبر اللغة التي تحولت إلى أداة تعبئة وقناة لنقل رسائل تصعيدية صريحة.

رسائل تعلن عن انتقال الفاعلين اليوم إلى منطق “اختبار موازين القوى”. فالمحاماة تستدعي تاريخها النضالي وتقدم نفسها كمدافع عن الحريات والعدالة، اما السلطة فقد تعمدت إدارة الأزمة بخطوات قضائية، مع ترك المجال لأنصارها لاستهداف العمادة والعميد، في حين تهيئ هي المناخ لعزل العمادة سياسيا عن محيطها.

هنا تراهن السلطة بكل ثقلها على منع تشكل جبهة واحتواء كل توتر بمفرده، لكنها قد تهيئ الأرضية، دون وعي منها، لاكتشاف ان الجميع يتحرك داخل أزمة واحدة بأوجه متعددة. وهنا ينبئنا التاريخ بأن اللحظة التي تبدأ فيها هذه الأزمات بالتعرف على بعضها البعض تتغير فيها الموازين كليا

 

المشاركة في هذا المقال