Print this page

حرب الاستنزاف في هرمز: الاقتصاد العالمي على حافة الصدمة الكبرى

بتغيير معادلة الحرب الأمريكية على إيران، لم يعد

السؤال المطروح اليوم هو: هل تستأنف الحرب بعد أن رفض كل طرف مقترحات الآخر؟ بل السؤال هو: هل الاقتصاد العالمي قادر على تحمّل استمرار الوضع على ما هو عليه، أي بهذا الشكل الرمادي، لا حرب تحسم، ولا سلام يعيد الاستقرار؟

حالة سائلة تكشف عن نموذج جديد للصراع: حرب استنزاف، حصار بحري، وفرض قواعد جديدة للملاحة عبر مضيق هرمز، ومفاوضات ثقيلة الخطى متعثرة تمنح الطرفين حجة لعدم التصعيد العسكري دون الحاجة إلى إعلان إنهاء الحرب. نموذج جديد عزز من عدم اليقين في العالم، وتتسلل تداعياته إلى الاقتصاد الدولي ببطء، وهو اليوم في طور إعادة تشكيله عبر ممر رمزي آخر، وهو أسواق الطاقة العالمية التي باتت مهددة بأزمة هيكلية وهشاشة غير مسبوقة.

إذ بعد إعلان الرئيس الأمريكي ترامب رفض المقترح المضمن في الرد الإيراني المقدم إليه عبر الوسيط الباكستاني، والرفض الإيراني السابق للمقترح الأمريكي، بات الوضع أقرب إلى صراع على من يفرض شروط الخروج من الحرب ومن يملك شرعية إعادة ترتيب التوازنات في المنطقة، فالمقترحان المرفوضان يؤسسان لأرضية مشتركة، وهي إدارة الأزمة لا الحسم العسكري، ووضع مضيق هرمز على طاولة التفاوض، وإن كان لكل طرف مصالح وأهداف مغايرة.

هذا التطور الأخير المتمثل في الرفض، رغم تقارب الوثيقتين، يكشف أن الجانبين، وإن اقتربا بخطوة من التسوية تقنيا، إلا أنهما عمّقا الهوة السياسية والاستراتيجية بينهما، إذ إن المفاوضات ليست من أجل إنهاء الحرب، بل لإعادة توزيع النفوذ في المنطقة بأكملها، والصراع اليوم بينهما يتمحور حول الشرعية الاستراتيجية، أي إن إيران تريد انتزاع اعتراف أمريكي بأنها جزء من الترتيبات الأمنية في المنطقة، وبالتالي تقاسم النفوذ مع أمريكا في المنطقة. وهو ما لا قدرة لإدارة ترامب على القبول به بهذه الصياغة، إذ إنها تبحث بدورها عن اعتراف إيراني بأن المنطقة برمتها تحت المظلة الأمريكية، وأنها اللاعب الأهم فيها.

صراع الشرعية الاستراتيجية، القائم على بحث كل طرف عن اعتراف بالتأثير من الآخر، يترجم عمليا إلى أن الطرفين وصلا إلى منطقة خطرة، سمتها أنه لا قدرة لهما فيها على التراجع، ولا قدرة لهما أيضا على فرض الحسم، مما يهدد بجعل الحرب بينهما نزيفا مفتوحا، عسكريا واقتصاديا، إلى حين توفر عناصر الحسم.

وفي انتظاره، أي الحسم، يستمر الوضع على ما هو عليه. فالولايات المتحدة، رغم تفوقها العسكري الساحق، تواجه معضلة استراتيجية عميقة اليوم، فهي كقوة عظمى لا يقاس تأثيرها بقدرتها على شنّ الحرب فقط، بل بقدرتها على إنهائها سياسيا وفي حيز زمني قصير نسبيا. فكلما طال أمد المواجهة العسكرية دون حسم، تآكلت صورة الهيمنة والقوة. فأمريكا رسخت نفسها منذ عقود كقوة قادرة على ضبط النظام العالمي، لكنها اليوم باتت قوة منفلتة قادرة على شن الحروب دون إنهائها، وبالتالي باتت عنصر إرباك وعدم استقرار في العالم، وخاصة في حربها الأخيرة ضد إيران التي عقدت المشهد في أحد أهم ممرات الملاحة البحرية.

أما إيران، فرغم الضغط الاقتصادي والاجتماعي والعسكري، فإنها تستفيد نسبيا من حرب الاستنزاف، فهي لا تحتاج إلى الانتصار العسكري التقليدي، بل يكفيها منع خصمها من تحقيق نصر واضح. أي إن الزمن هو أحد أهم أسلحتها، وبالتالي فإن كل يوم إضافي يمثل مكسبا لها، فكل يوم يمر ترتفع الكلفة على الاقتصاد العالمي، ويتحول الصراع إلى أزمة دولية.

فالعامل الحاسم هنا هو الطاقة، التي يواجه العالم اليوم بسببها تهديدات جدية بصدمة طاقية غير مسبوقة، فأكثر من 20 مليون برميل نفط يمر يوميا عبر مضيق هرمز، أي ما يقارب ربع تجارة النفط المنقولة بحرا عالميا. هذه النسبة حسبت من الأسواق لتفرض «أكبر اضطراب في تاريخ سوق النفط» وفق المنظمة الدولية للطاقة، حيث قدر حجم التراجع في الإمدادات العالمية بأكثر من 10 ملايين برميل يوميا خلال ذروة الحرب، وهو الرقم الأكثر تفاؤلا، لكنه يبين أن حجم التراجع يفوق جميع الصدمات النفطية التاريخية.

فالأمر هنا لا يتعلق بأزمة أسعار نفط نتيجة موجة ارتفاع ظرفية، بل الأمر أعمق وأشمل، إذ إن تراجع الإمدادات طوال شهرين نجم عنه تراجع بأكثر من 600 مليون برميل نفط، وهو رقم يمكنه أن يفجر أزمة في بنية الاقتصاد العالمي كاملة. فحجم الاستهلاك اليومي في العالم يقدر بأكثر من 100 مليون برميل، يقع سد نقص المدادات عبر المخزون الاستراتيجي المقدر بأكثر من 400 مليون برميل، والذي لا يمكنه أن يوفر غطاء طويل الأمد، ولا يعويض تراجع الإمدادات بأكثر من 10 بالمئة على المدى المتوسط، مما يعني أن العالم قد يشهد، رغم كل الحلول الظرفية، صدمة نفطية عنيفة.

هذه الصدمة ستتجاوز مربعات العرض إلى الطلب، فالأسعار التي استقرت اليوم في مستوى 100 دولار للبرميل، وهو السعر الورقي، أي سعر الأسواق المالية، في حين أن السعر الذي تدفعه المصافي للبرميل يتراوح بين 130 و150 دولارا، أي إن الفرق بين السعر الحقيقي وسعر المضاربة يتراوح بين 30 و50 دولارا، وهو فارق ضخم إن استمر لأسابيع إضافية سيعمق من أزمة العالم، الذي لم تتعاف دوله من آثار التضخم بعد كورونا والحرب الأوكرانية الروسية، وهي اليوم مهددة بصدمة طاقية أكثر تعقيدا وعنفًا.

أي إن الأزمة مرشحة لأن تتطور من أزمة شح في العرض إلى تدمير للطلب، في ظل توقعات بأن نمو الطلب العالمي على النفط سيتراجع في الأسابيع القادمة، مع توقع انكماش في الاستهلاك بسبب ارتفاع الأسعار وتباطؤ الاقتصادات، وهذا أخطر ما يمكن أن يحدث، أي انكماش الاقتصاد العالمي الذي سيصبح أمرا واقعا إن استمر هذا الوضع.

فاستمرار حالة اللايقين لأشهر أخرى قد يدفع إلى مرحلة ركود تضخمي جديدة: نمو ضعيف، تضخم مرتفع، بطالة في مستويات قياسية، وتراجع في الاستهلاك العالمي. ومن الضحايا الأكثر عرضة لتداعياته الثقيلة شركات الطيران التي تواجه كلفة تشغيل خانقة وتراجع الطلب، وهو ما ينقل الأزمة إلى القطاع السياحي المهدد بالتباطؤ، إضافة إلى قطاع البتروكيميائيات وصناعة الأسمدة والصناعات الثقيلة التي سترتفع كلفة التشغيل فيها قبل أن يتراجع الطلب لاحقا. أما بالنسبة للدول، خاصة المستوردة للطاقة، فهي ستدخل في أزمات عجز في الميزانيات وارتفاع حجم الديون.

لهذا، قد يكون السؤال الحقيقي اليوم هو: من يستطيع أن يتحمّل كلفة حرب الاستنزاف أكثر؟ الولايات المتحدة بقوتها العسكرية لكنها المثقلة بكلفة الهيمنة؟ أم إيران التي تراهن على الصبر الطويل؟ أم أن العالم، الذي يجد نفسه للمرة الأولى منذ عقود أمام حرب لا تنتهي، لكنه قادر على إنهاك الجميع ببطء؟

المشاركة في هذا المقال