Print this page

تقرير البنك المركزي لسنة 2025: الكشف عن هشاشة الاقتصاد

ينظر الى التقارير المالية للبنوك المركزية

على أنها سردية كاملة عن اقتصاد بلد المقر وعن حدوده والأفق الذي يتحرك داخله. وتقرير البنك المركزي التونسي لسنة 2025 يندرج ضمن هذا الصنف من الوثائق التي تقول أكثر مما تظهر، وتكشف عما يتوارى خلف اللغة التقنية المنضبطة، وهو أن الاقتصاد التونسي يرزح تحت الضغط ويكافح لتحقيق توازن هش في ظل أزمة هيكلية أجلت خطط الإصلاح بشأنها.

إذ إن الوثيقة التي نشرها البنك على موقعه الرسمي نهاية شهر أفريل الفارط، والمتعلقة بقوائمه المالية للسنة الفارطة، وإن كانت في ظاهرها تقنية ومحايدة تعلن عن الأرقام والنسب وعمليات البنك وحركة الأصول التي يديرها، إلا أنها خلف هذا الظاهر ترسم ملامح الاقتصاد التونسي، وتؤكد أنه يعيش على وقع توازنات دقيقة قابلة للاهتزاز، نظرا لبنية الاقتصاد الهشة غير المنتجة، والسياسات العمومية المتبعة القائمة على إدارة الضغوط والتحكم في الاختلالات عوضا عن الإصلاح الجذري للأزمة وأسبابها.

وما يلفت الانتباه في تقرير البنك هو المؤشرات الصريحة والإشارات الضمنية لهشاشة الوضع المالي والنقدي التونسي، الذي ومن حيث الشكل يبدو متماسكا يسمح للبلاد بالإيفاء بتعهداتها المالية والاستمرار في تقديم خدماتها النقدية الأساسية، رغم التراجع الملحوظ في احتياطي العملة الأجنبية بأكثر من 8 نقاط ليستقر عند 25.13 مليار دينار. وتوسع تدخل البنك لتمويل الإنفاق العمومي بأكثر من 13.55 مليار دينار بعد أن كان 7.6 مليار دينار سنة 2024، وهذه النقطة تمثل أحد أخطر المؤشرات، فهي تعكس أن البنك أصبح تدريجيا الممول الرئيسي للدولة، وهو ما يفاقم من مخاطر التضخم ويضعف مصداقية السياسة النقدية على المدى المتوسط.

هذه المؤشرات ترتقي لتكون دليلا على خلل أعمق في علاقة الاقتصاد التونسي بمحيطه، وتكشف عن استنزاف الدولة التونسية لمخزونها من العملة الأجنبية وتوجيه جزء منه لتسديد ديون حل أجل استحقاقها في 2025، دون قدرة على إعادة التعبئة من مصادر تقليدية كالأسواق المالية الدولية أو القروض من المؤسسات الدولية أو القروض الثنائية. ويزداد الضغط بالنظر إلى أن الموارد التي خففت الضغط على الاحتياطي من العملة الأجنبية لم تكن إنتاجية بالأساس، بل جاءت من مصادر ظرفية مرتبطة بعوامل خارجية، وهي السياحة وتحويلات التونسيين بالخارج، التي تظل بطبيعتها غير مستقرة ومعرضة باستمرار للصدمات في ظل غياب قاعدة إنتاجية قوية.

هذا التحول، الذي قدم كخيار سيادي، يعكس في الواقع غياب البدائل وصعوبات النفاذ إلى الأسواق المالية الدولية، وتعقد العلاقة مع مؤسسات مثل صندوق النقد الدولي، التي فرضت على الدولة الاعتماد المتزايد على البنك المركزي، الذي انزاحت وظيفته تدريجيا من كونه مؤسسة تضبط التوازنات إلى فاعل يمول العجز المالي، في سياق اقتصادي سمته الأساسية ضعف النمو ومحدودية الموارد. وهو ما يكشف أن السلطة باتت تتعامل مع الاحتياطي كآلية دفاع تسعى من خلالها لضمان استقرار هش للنظام المالي، يؤجل الأزمة الناجمة عن الانتقال من التمويل الخارجي إلى تعبئة الموارد من السوق الداخلية.

ولا تقف المؤشرات عند هذا الحد، إذ يكشف التقرير أن البنك استمر في عمليات إعادة التمويل لفائدة البنوك المحلية، والتي بلغت قيمتها في السنة الفارطة 8.26 مليار دينار، وهو ما يمثل إعلانا صريحا عن هشاشة داخلية في النظام البنكي التونسي. فالبنوك التجارية التي يفترض أن تكون رافعة للاستثمار تعتمد سنة عقب سنة على سيولة يوفرها البنك المركزي، ما يكشف عن اختلال الدورة الاقتصادية برمتها، ويظهر هشاشة النظام البنكي الذي بات يعتمد بشكل متزايد على إعادة التمويل من البنك المركزي، وهو ما يكشف أن البنوك لم تعد قادرة على تعبئة الموارد من السوق بشكل كاف، وأنها أصبحت جزءا من منظومة الدعم التي يوفرها البنك المركزي.

وبهذا تكشف القوائم المالية التي نشرها البنك المركزي عن اقتصاد يحافظ على توازنه عبر ثلاث آليات هشة: السحب من الاحتياطي، توسيع التمويل الداخلي، والاعتماد على تدفقات خارجية غير مستقرة. آليات، ورغم نجاعتها الظرفية، لا تعالج جوهر الإشكال، وهو هشاشة المنظومة التي تعاني اليوم من ارتفاع الكتلة النقدية فيها بأكثر من 4.5 مليار خلال سنة. وهذه الزيادة في النقد المتداول لا تعكس حيوية اقتصادية، بل تكشف عن عملية ضخ السيولة في الاقتصاد دون أن يقابلها إنتاج حقيقي.

هذه هي الصورة التي يقدمها تقرير البنك المركزي، والتي في خلفيتها ضغوط خدمة الدين الخارجي والتزامات كبيرة خارج الميزانية، وهو ما يشكل طبقة من المخاطر غير المرئية التي لا يجب إغفالها في تفكيك بقية المؤشرات، والتي تكشف أن إدارة الاقتصاد والملف المالي والنقدي للبلاد تقوم على التكيف مع الأزمة لا معالجتها. فما يقوله التقرير هو أن الاقتصاد التونسي بلغ مرحلة لم تعد فيها الأدوات التقليدية كافية. لم يعد السؤال متعلقا بكيفية إدارة الضغوط، بل بكيفية الخروج منها، لأن الاستمرار في نفس المسار يعني ببساطة تأجيل الأزمة.

أزمة قد تنفجر في أية لحظة نظرا لتباطؤ نمو الاقتصاد العالمي نتيجة عدم الاستقرار في الشرق الأوسط وأزمة مضيق هرمز، التي أثرت سلبا على سلاسل الإمداد وعلى أسعار السلع والبضائع الأساسية، وهو ما انعكس، وإن نسبيا، على مؤشر التضخم في البلاد، إذ سجل ارتفاع في نسبة التضخم بنصف نقطة لتبلغ نسبة التضخم لشهر أفريل الفارط 5.5.

وهي نسبة لا يمكن قراءتها بعيدا عن المؤشرات التي كشفها تقرير البنك المركزي. فالتوسع في تمويل الدولة وضخ السيولة في الجهاز البنكي، وغياب نمو إنتاجي، يخلق ضغطا يتحول تدريجيا إلى ارتفاع في الأسعار، كما أن تراجع الاحتياطي من العملة الأجنبية يحد من قدرة الاقتصاد على امتصاص صدمات الأسعار العالمية، ما يجعل التضخم أكثر حساسية للتقلبات الخارجية.

صحيح أن نصف نقطة قد تبدو محدودة في ذاتها، لكنها تكتسب دلالتها من السياق: اقتصاد يعتمد على التوريد، منظومة مالية تحت الضغط، وإنفاق عمومي يميل إلى التوسع لمواجهة التوترات

المشاركة في هذا المقال