ومن خلفه كامل الخليج كمجال جغرافي خرج عن هيمنتها، بل تعتبره مجالا لصناعته وإعادة ضبط قواعده في المنطقة وخارجها، وما "مشروع الحرية" وهو الاسم الذي أطلقه الرئيس دونالد ترامب على عمليته الأخيرة في مضيق هرمز إلا تأكيد لهذا التصور الذي لا يختزل تطورات المشهد في البعد الإنساني ولا في اضطراب حركة الملاحة أو ترتيبات الأمن البحري. هذه العملية هي أداة أمريكا لإعادة الضبط والسيطرة على أحد أهم الممرات البحرية في الاقتصاد العالمي، ولكن الأهم تجريد إيران من أية أفضلية استراتيجية في المفاوضات أو الحرب.
إذ إن مشروع الحرية الذي أعلن عنه الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والقاضي بمرافقة السفن وتأمين عبورها في مضيق هرمز، مع التلويح بأن أي هجوم إيراني سيتم التعامل معه على أنه اعتداء عسكري، لا يمكن قراءته واختزاله في كونه مجرد استجابة لتهديدات ظرفية فرضتها تطورات حربه على إيران التي انطلقت في فيفري الفارط، ورد الأخيرة باستعمال ورقة المضيق لرفع كلفة الحرب ضدها.
جوهر المشروع يتجاوز فكرة حماية السفن وتأمين مرورها وإجلاء حوالي 20 ألف فرد من الطواقم العالقة في الخليج العربي، إذ يتمدد لإعادة تعريف من يملك الحق والقدرة على إنتاج الأمان في هذا الممر، أي من يسيطر عليه، من خلال ثنائية الحصار والمرافقة. إذ تريد إدارة ترامب ترسيخ انطباع وواقع بأن من يجعل عبور السفن التجارية للمضيق آمنا ممكنا اليوم هو وجود قوة عسكرية أمريكية، هذه القوة التي يقع اليوم الربط بينها وبين المرور من المضيق بما يثبت واقعا مختلفا كليا في المنطقة.
هذا الواقع هو ترسيخ للربط بين استقرار الحركة في المضيق والمنطقة بالسيطرة الأمريكية عليها، وبالتالي انتزاع إقرار من دول المنطقة ومن بقية القوى الدولية بالسيطرة الأمريكية على الممر، الذي سيصبح امتدادا مباشرا لميزان قوة غير متكافئ بين إيران وأمريكا، ومعه تنتزع صفة الممر كفضاء محايد غير خاضع للسيطرة إلى فضاء صراع وحضور عسكري أمريكي قد يصبح دائما.
هذا التحول يعيد صياغة وظيفة المضيق داخل النظام والتوازن الإقليمي ما بعد حرب فيفري 2026، وينتقل به من مجال يقع تحت النفوذ والتهديد العسكري الإيراني إلى ممر بحري يحتاج إلى ضمان خارجي دائم، وهو ما يعني أن إدارة ترامب تخلت عن منطق التوازن في معالجة ملف المضيق، الذي عبر عنه من خلال فرض الحصار عليه وعلى الموانئ الإيرانية، إلى منطق إدارة المضيق بالقوة، من خلال التلويح بأن أي من سفنها العسكرية أو السفن التي ستكون مرافقة لها إذا تعرضت لهجوم فإن الرد سيكون قاسيا وعنيفا.
وهنا، بعيدا عن التسويق الذي تقدمه إدارة ترامب بكون عمليتها هي عملية إغاثة إنسانية، فإن الهدف من هذه العملية هو إنتاج واقع ميداني سمته الأولى والأخيرة هي أن القوة البحرية الأمريكية هي المرجع الوحيد والفعلي للمرور الآمن من المضيق، وليس الحرس الثوري الإيراني الذي فرض منذ بداية الحرب قواعد جديدة للمرور في المضيق، من بينها رسوم عبور تدفع باليوان الصيني، إضافة إلى التنسيق الكلي مع الجانب الإيراني، وهو ما رسخ أيضا واقعا يقر لإيران بالسيطرة على المضيق.
هذا التطور والانتقال بالجانب الأمريكي من إدارة التوازن في المضيق إلى فرض السيطرة بالقوة، يعيد ترتيب مساحة الاحتكاك بين إيران وأمريكا. فبالنسبة لطهران، لن يقرأ هذا الانتشار كإجراء لحماية الملاحة أو كعمل إغاثي، بل سيُقيَّم على أنه إجراء سياسي وعسكري يهدف إلى انتزاع السيطرة منها على أهم نقطة من عمقها الجغرافي-السياسي.
فالمضيق بالنسبة لإيران هو أداة ردع استراتيجية مكّنتها من التأثير في حسابات الإدارة الأمريكية وفي توازنات الحرب غير المتماثلة ولا المتكافئة بينهما، وهو ما يضفي أهمية وحساسية على الاستجابة الإيرانية. فالمسألة لا تتعلق برد على إجراء منفرد، بل على استراتيجية تراكمية لتعديل ميزان القوى والأدوات في المضيق والمنطقة.
إذ إن طهران تواجه اليوم ضغطا أمريكيا يهدف إلى تغيير السياق الإقليمي برمته، لترسيخ توازن جديد يفقد إيران أوراق ردعها، وبالتالي يغير موقعها على طاولة المفاوضات وينزع عنها القدرة على رفع كلفة الحرب إن استؤنفت، وهو ما قد يجعلها تتحرك بخلاف سياستها التقليدية القائمة على امتصاص الصدمة وتقليص مساحة الاحتكاك وضبطه، ولكن أيضا لا يعني أنها ستمضي في سياسة صدامية مباشرة في نقطة الاحتكاك أي المضيق، وهو ما يعني أن هامش التحرك سيكون محدودا بهدف هو منع تثبيت الاستراتيجية الأمريكية في المضيق، أو على الأقل منع أن يصبح الممر تحت سيطرة طرف واحد.
أي أن هامش الرد الإيراني قد يكون محكوما بمزيج بين تجنب التصعيد واستئناف الحرب وبين منع تثبيت واقع ميداني جديد، مما يعني أن أفضل خياراتها قد يكون التحرك ضمن حسابات دقيقة تهدف لإنتاج بيئة إقليمية فيها قواعد ردع متوازنة، تتكثف فيها عناصر الردع الإيرانية في مساحة جغرافية ضيقة قد تنتشر فيها قوات عسكرية أمريكية.
مشهد يتشكل في مضيق هرمز تدريجيا، يكشف عن محاولة متزامنة لإعادة تعريف قواعد الاشتباك في المضيق والمنطقة. الولايات المتحدة تسعى إلى تحويل الحضور العسكري إلى حضور دائم في المضيق، وإيران تحاول منع هذا التحول وتثبيت توازن ردع جديد يقلص من قدرتها على التأثير.
وفي هذا السياق، لا تبدو التطورات الراهنة أحداثا قابلة للاحتواء بقدر ما تبدو أفقا قابلا للتوسع في ظل استقرار مؤقت، معلق على حسابات متناقضة في انتظار استكمال عملية إعادة ضبط التوازن وولادة مشهد إقليمي جديد.