Print this page

تقاطع الخطاب الاحتجاجي لاتحاد الشغل وعمادة المحامين: تصاعـد الضغط على السلطة

رغم المسافة بين بطحاء محمد علي، أين ألقى

الأمين العام الجديد لاتحاد الشغل خطاب 1 ماي، وبين قاعة انعقاد اجتماع الهيئة الوطنية الاستثنائية لعمادة المحامين، إلا أنّ الفضاءين تقاطعا وتزامن الخطاب المتداول فيهما عند نقاط مشتركة، أولها التشخيص المتقارب وهو انسداد قنوات التفاوض وتراجع مساحات الفعل السياسي في المشهد والمركزية الشديدة للسلطة والقرار، وثانيها التدرج في التصعيد والمواجهة.

ففي توصيفهما المشترك، يختزل المشهد العام التونسي اليوم في تقاطع أزمة اقتصادية عنوانها تدهور القدرة الشرائية واتساع دوائر الهشاشة، مع أزمة مؤسساتية مسّت جوهر العدالة واستقلال القضاء. فالاتحاد العام التونسي للشغل، وعلى لسان أمينه العام، رفع صوته أعلى للتحذير من اختلال التوازنات الاجتماعية، وحمّل السلطة المسؤولية والتبعات، ودعاها للحوار والتشاركية، فيما حمل بيان الهيئة الوطنية الاستثنائية لعمادة المحامين توصيفا أكثر حدّة في علاقة بسير المرفق القضائي ومؤسساته، ليتحدث عن «استباحة» الحق في الدفاع وتوظيف القضاء بما يمس من مبدأ المحاكمة العادلة.

وهنا، رغم الاختلاف الظاهر في المنطلقات وفي مجال التحرك، إلا أن مآل الخطابين واحد، وهو التأكيد على أن أزمة الثقة في آليات إدارة الدولة تعمقت، وباتت تدفع بإحدى أهم منظمتين اجتماعيتين في البلاد إلى التحرك والتلويح بالتصعيد صراحة وتلميحا. وهذا هو أهم ما حملته غرة ماي.

فكل خطاب لا تكمن أهميته في مضمونه منفردا، بل في منطقة التماس بينهما، إذ إن كلا الطرفين وبشكل مباشر انتقل من تموقعه القطاعي إلى خطاب شامل يستدعي المصلحة العامة ويوسع دائرة التأثر والتأثير. فالاتحاد، الذي خرج من مساحة العمل النقابي التقني للدفاع عن حقوق الشغالين والأجراء، إلى الربط بين العدالة الاجتماعية بشموليتها لكل التونسيين وبين الاستقرار الوطني، وعمادة المحامين غادرت جدران المهنة ومتطلباتها الفنية إلى الدفاع عن استقلال القضاء وحماية الحريات.

في هذين الخطابين تشكّلت شرعية سردية جديدة، يتجاوز من خلالها القائمون على المنظمتين قواعد المهنية والمنظورين ليخاطبوا المجتمع التونسي برمته، عن اختلال التوازنات الاجتماعية والخطر الذي يهدد المجتمع وسلمه، وعن انحراف إحدى مؤسسات الدولة، وهو المرفق القضائي، وغياب شروط المحاكمة العادلة. والهدف من هذا هو إعادة التموقع في المشهد ومغادرة مربعات الحذر ومحاولة البحث عن تسوية مع السلطة.

هذه السلطة التي تُوجَّه لها اليوم انتقادات من أبرز منظمتين في الرباعي الراعي للحوار الوطني، مع دعوة صريحة للانفتاح والحوار للخروج من الأزمات، اعتادت على مثل هذه التوترات في وقت سابق، كما اعتادت على إدارتها عبر مقاربات تجزئة المواجهة وتفكيك الأزمات بما يمنع تلاقيها تجنبا لتشكل أي جبهة موحدة. وقد نجحت هذه الاستراتيجية في تحقيق مراد السلطة، وهو منع تصاعد الاحتجاجات واستيعاب الرفض سريعا قبل أن يتطور ويخرج عن حدود قابلة للتحكم، ولكن اليوم، بتقارب خطاب المنظمات وتقاطعه في التشخيص وفي تحديد مخارج الأزمة، قد لا تنجح مقاربة السلطة في منع تصاعد الأحداث وانتقالها إلى الشارع.

فالمعطيات الجديدة اليوم لا تقتصر على تزامن الأزمات وتوازي الخطابات، بل في بداية تشكل حركية/ديناميكية مختلفة في المشهد التونسي غابت منذ 2021، بتقاطع ملفات ومنظمات قادرة على تغيير طبيعة الاحتجاج ووزنه وامتداده في الشارع. فخطاب الاتحاد، الذي قام على الإقرار بالأخطاء والتعهد بالإصلاح، لم ينحصر مضمونه في محاولة الضغط لتحسين الأجور ولا دعوة لحوار اجتماعي، بل حمل نقدا صريحا للخيارات الاقتصادية والسياسات العمومية التي تنتهجها السلطة. أما لائحة عمادة المحامين، فلم تقتصر على الدفاع عن المهنة ومطالبها، بل اخترقت جدارا غير مرئي كان قائما، واتهمت السلطة بالسيطرة على القضاء ولمّحت إلى توظيفه، وأبرزت اختلال المرفق القضائي.

وبهذا انتقل كل من الاتحاد والعمادة من خطاب مطلبي قطاعي إلى خطاب سياسي يسائل السلطة ونفوذها عبر التلويح بالإضراب والتصعيد إن لم تنفرج الأوضاع، وهو ما يحد من قدرة السلطة على الاحتواء ومن تفكيك هذا التقاطع الذي بات يفرض عليها واقعا جديدا لا يبدو أنها قادرة على أن تديره بذات الأدوات، خاصة وأن السياق السياسي والاجتماعي والاقتصادي في البلاد ليس مستقرا ولا ثابتا.

وهذا التغيير هو معضلة السلطة التي نجحت سابقا في امتصاص موجات الاحتجاج عبر إدارة زمنها وتجزئتها، لكنها اليوم أمام مشهد أكثر تعقيدا، يقوم على تزامن الضغط وتشابك المطالب، بما يرسم صورة عامة أهم عناصرها بروز شبكة من الأصوات الاحتجاجية المتقاطعة التي تعكس بداية تغيير في التوازن بين السلطة وخصومها.

هذا التغيير لا يعني بالضرورة أن المواجهة والانفجار حتميان، لكنه بالتأكيد يرفع من كلفة تجاهل الدعوة إلى الحوار التي قد تتطور لتصبح مطلبا جماعيا يوحد طيفا واسعا من التونسيين ومنظماتهم، مما يترك السلطة اليوم أمام خيارين: إما الاستمرار في محاولة الاحتواء الجزئي ومعالجة كل أزمة على حدة، مع ما يحمله هذا الخيار من تراكم صامت للتوتر وعوامل الانفجار، أو أن تكون صاحبة مبادرة وتستجيب لدعوة الحوار وتعالج كل الملفات المتراكمة دون أن تفقد أفضليتها أو قدرتها على إدارة الشأن العام وضمان استقراره.

وما سيحدد أي طريق ستسلكه السلطة هو إدراكها من عدمه بأن أدواتها القديمة قد لا تكون مناسبة ولا كافية لإدارة أزمات اليوم، وأن البلد يتجه، وإن بخطى بطيئة متثاقلة، إلى توازن هش بين السلطة ومعارضيها

المشاركة في هذا المقال