لاستكمال رقمنة الادارة بصفة شاملة قبل موفى سنة 2026، واعتبرت ان الامر ضروري بل واستراتيجي لذا فيجب التسريع في الانتهاء من كل مشاريع التحول الرقمي في الاجال المحددة لها وتطوير اليات الدفع الالكتروني واستكمال الترابط البيني بين مختلف المنظومات المعلوماتية والخدمات وايلاء كل العناية لرقمنة كافة الخدمات الموجهة لفائدة التونسيين المقيمين بالخارج.
هذا الرهان الاستراتيجي الذي وضعته الحكومة لنفسها يهدف وفق بلاغها الصادر امس الى تحسين مردودية المرفق العمومي ونجاعته وتبسيط الاجراءات وتحسين مناخ الاعمال ومكافحة الفساد، وهي نقاط كانت حاضرة في جدول اعمال اجتماع وزاري مضيق انعقد يوم السبت الفارط.
بلاغ ابرز ما فيه انه يعلن ان السنة الجارية ستكون موعدا لاستكمال رقمنة الادارة التونسية، في عبارة يوحي ظاهرها بان الامر محسوم وان التعاطي الحكومي مع الملف جدي، لكن وعد الحكومة وطموحها لا يخفيان حقيقة ان المسافة بين ما تقوله الدولة عن نفسها وما تستطيع فعله في هذا الملف شاسعة. فنحن هنا ازاء وعد طموح للاسف لا يؤسس لمنجز عملي.
اذ لا يكفي ان يرفع التحول الرقمي ورقمنة الادارة الى مرتبة «الخيار الاستراتيجي»، ليتغير الواقع ويتم تجاوز العقبات الموضوعية، اذ ان الامر لا يتعلق فقط بتحديث للادوات والوسائل والبنى والقوانين بل في تغيير التصور والعقلية ايضا، وفي صياغة العلاقة بين الدولة ومواطنيها بين الادارة والاقتصاد، اي عملية تغيير شاملة.
هذه العملية وان لا تنطلق منها تونس اليوم من نقطة الصفر، فثمة مسار طويل وان كان متقطعا، في التحول الرقمي وتعصير الادارة، منصات وخدمات عن بعد ومحاولات لتبسيط الاجراءات. لكن سمة هذا المسار انه لم يكن بنيويا، اذ هو اقرب الى مسار لرقمنة الواجهة فقط، اذ احيانا ما تبدأ الخدمة الرقمية على الشاشة لتنتهي عند شباك وورقة وختم.
وهذه هي المفارقة: رقمنة تقود الى الوساطة البشرية والوثائق. فالدولة التي يبدو انها لا تثق في ذاتها وفي الرقمنة لم تؤسس بعد لنظام معلوماتي موحد، بل وضعت عدة انظمة وتطبيقات متجاورة. فلكل وزارة ومؤسسة منصتها في غياب ترابط بيني فعلي، تضع طبقة اضافية من التعقيدات امام المواطن وطالب الخدمة الذي يتنقل بين قواعد بيانات متعددة يحمل معه وثائقه ومعطياته من ادارة الى اخرى، والحال ان هذه الوثائق لها اصل لدى الدولة واجهزتها.
والاشكال هنا ليس تقنيا يختزل في غياب نظام موحد او عدم الترابط والتنسيق بين الانظمة والتطبيقات الراهنة، الاشكال ان ما يحول بيننا وبين الرقمنة طبقات من التعقيدات متعددة، منها ايضا طبقة من التعقيدات القانونية والمؤسساتية. اذ ان الاطار التشريعي الذي يفترض ان يواكب هذا التحول يمضي بخطى ثقيلة، ابطأ من الخطاب السياسي الذي يسوق منذ حوالي العقدين للتحول الرقمي. فالى غاية اليوم لا نزال امام ضعف تطبيق النص القانوني المؤطر للتوقيع الالكتروني وتبادل المعطيات وحماية البيانات الشخصية، فرغم ان عددا من النصوص المنظمة كانت متقدمة لكنها ظلت عالقة في ممارسات حذرة بل مترددة.
وهذا ليس دافعه قانونيا بل ثقافي، اذ ان الدولة وجزءا من مجتمعها يرون في الورقة اثرا ماديا له ضمانة قانونية، لذا فهم يجدون صعوبة في الانتقال الى فضاء رقمي. وهذا يكشف عن طبقة من التعقيدات النفسية ايضا، وهي تغيير وعي الادارة وقناعتها لتتخلى عن منطق الاختام والملف، وهي من ادواتها الرمزية، الى فضاء رقمي له شروطه. اذ دون هذا التغيير ستظل هنالك مقاومة للتحول، مقاومة تتسلل الى التفاصيل فتعيد انتاج القديم في ثوب الجديد، وبها تتحول الرقمنة الى نسخة جديدة من البيروقراطية الورقية.
كل هذه التعقيدات التي قد تجعل من وعد الحكومة باستكمال الرقمنة في 2026 طموحا صعب المنال، يضاف اليها هشاشة الشروط المادية للايفاء بالاجال، اذ ان البنية التحتية والفوارق الجهوية في سعة وسرعة تدفق الانترنت، ونقص الكفاءات الرقمية داخل الادارة، وتعدد الانظمة المعلوماتية التي قد يكون من الصعب دمجها او تحديثها، وغيرها من العناصر التي قد تجعل وعد «الاستكمال الشامل» في افق زمني لا يتجاوز 8 اشهر وعدا سياسيا غير ممكن تنزيله عمليا، الا ان تمت مراجعة الاهداف في اتجاه رقمنة شاملة لخدمات محددة او قطاعات بينها، لكن رقمنة كل الخدمات والادارات معا مهمة شبه مستحيلة.
والاقرار بصعوبة المهمة والتعقيدات التي تحيط بها ليس لوضع مبرر او دافع للدعوة الى التراجع، بل لفت الانتباه الى اهمية ان نعيد ترتيب الاولويات. فتصنيف الرقمنة والتحول الرقمي من قبل الحكومة كخيار استراتيجي هو قرار سليم لا لبس فيه، ولكن طريقة التفكير في كيفية تنزيل هذا الخيار على ارض الواقع دفعة واحدة لن تكون ممكنة لاسباب موضوعية، والحال اننا نستطيع التدرج في رقمنة الادارة والانطلاق بالخدمات الاكثر استعمالا، وبتبسيط الاجراءات الاكثر انتاجا للتعقيدات الادارية ومداخل الفساد، وضمان مسار اداري ينجز بالكامل دون ورق.
تدرج سيسمح بنجاح التحول الرقمي، لا فقط من حيث مساراته والخدمات بل وفي جوهره، اذ ان الرقمنة تعيد توزيع السلطة داخل الدولة وتغير من ادواتها، فهي تنقلها من مناطق الغموض والتأويل الى فضاءات شفافة قابلة للتتبع وقياس اثرها والالتزام بقواعدها. هذا التحول هو سياسي كذلك، لانه يغير التوازنات القائمة ويعيد تشكيل الامتيازات، اذ هو تحول يفرض الشفافية والمساءلة.
كل هذا قد يجعل من تحديد سنة 2026 كافق للانتهاء من الرقمنة اقرب لخطاب سياسي رفع هدفا مشروعا، لكنه لم يؤسس له بتحقيق شروطه. فالمراد من الانتقال الرقمي ليس ان ننتقل الى الشاشات، بل المراد هو ان تتغير الادارة بان تصبح اكثر ترابطا وبساطة، وان توفر تجربة يومية تعيد بناء الثقة بين الدولة والمجتمع