Print this page

قراءة في المؤشرات الاقتصادية: فخ تحسن الأرقام وهشاشة الاقتصاد

من يدقق السمع في الخطاب الاقتصادي الرسمي

التونسي سيقف على سماته وعناصره التي تتكرر، ايا كان القائل، المعجم ذاته، وتقنيات الخطابة والالقاء والاداء، لترسيخ انطباع النجاح والانجاز لدى المتلقي، في عملية اعادة تشكيل للواقع تستند الى تضخيم دلالة الارقام ومنحها سلطة تفسيرية تتجاوز حدودها.
اذ بات الخطاب الرسمي يفكك بعض المؤشرات المالية والاقتصادية، ويستخرج منها دلالات تخدم رواية التحسن والتعافي الاقتصادي والمالي. ومن تلك المؤشرات مسالة المديونية الخارجية، التي تقدم اليوم على انها من ابرز عناصر تقييم العمل الحكومي ونجاحه، بالاستناد الى تراجع نسبي في حجم المديونية الخارجية وانخفاض نسبتها من الناتج الوطني، وهي مؤشرات تقدم بوصفها دليلا على نجاح سياسة السلطة في تقليص الاعتماد على التمويل الخارجي للميزانية.
خطاب، من منطلق الحسابات المالية البحتة، لا يمكن انكار رجاحته، اذ ان تونس شهدت منذ 2022 منحى تنازليا للاقتراض الخارجي ونسبته من الدين العمومي، لتبلغ نسبته، وفق الارقام الاولية، 39.1 بالمئة، حسب وزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ، امس، في مداخلته امام البرلمان.
مداخلة رفض فيها الوزير وصف البرلمان الحالي ب"برلمان القروض"، كما وظف فيها المعجم التقني ذاته القائم على مؤشرات كلية تتعلق بالمديونية وحجمها من الناتج الوطني، متجنبا تقديم تفصيل دقيق لبنية المديونية او كلفتها الفعلية على الاقتصاد. وهو ما يوحي بان الوزير حرص على اختزال الوضع الاقتصادي والمالي في توازن المالية العمومية وتحسن طفيف في مؤشرات كلية تظهر قدرة الدولة التونسية على اعادة ترتيب التزاماتها.
فخفض المديونية الخارجية، الذي حرص الوزير على ابرازه، رغم اهميته، لا يكتسب دلالة اقتصادية كاملة الا اذا كان جزءا من مسار نمو وتوسيع القاعدة الانتاجية وخلق الثروة، وغيرها من المؤشرات الاساسية لفهم الوضع الاقتصادي والمالي التونسي بشكل افضل وموضوعي.
فهذا التحسن النسبي في مؤشرات الدين الخارجي تحقق في سياق اقتصادي لا يوفر شروط التحسن الحقيقي. فالصورة الكاملة لا تختزل فقط في تراجع المديونية الخارجية بما يحقق استدامة الدين العمومي التونسي، ولا في ان هذا التحكم لم ينجر عنه اختلال في الاحتياطيات من العملات الاجنبية، التي تم الحفاظ فيها على مخزون يتجاوز 100 يوم توريد، بل هي اوسع من ذلك واشمل، اذ تضم نسق الاستثمار العمومي والخاص، وقدرة الاقتصاد على توليد النمو واحداث فرص عمل، والتغير الهيكلي في سوق الشغل، الذي لا يزال اكثر من ثلث العاملين فيه يشتغلون في وظائف هشة.
وهو ما يفسر ان سبب انخفاض المديونية الخارجية لم يكن نتيجة طفرة انتاجية او تحسن في الجاذبية الاقتصادية، بل نتيجة التحكم في حاجيات التمويل الخارجي، لتقاطع عاملين اساسيين، توجه سياسي سيادي، وصعوبة الولوج الى اسواق التمويل. اذ عرفت تونس منذ ميزانية 2023 خيارا سياسيا يقوم على تقليص تدريجي لاعتمادها على الاقتراض الخارجي، والتوجه الى السوق الداخلية لتعبئة الموارد المالية للخزينة، وذلك بعد رفضها الاتفاق مع صندوق النقد الدولي، وما انجر عنه من محدودية فرص الحصول على قروض خارجية.
وهو ما يشرح ان الخلل ليس في المؤشرات التي قدمها الوزير، اذ ان الاشكال ليس في الارقام ذاتها، بل في قدرتها على التعبير عن واقع اقتصادي تتجاوز تعقيداته حدود تحسن بعض المؤشرات الكلية. اذ ان استقرار بعض التوازنات المالية من تراجع المديونية والعجز لا يعني بالضرورة تعافيا اقتصاديا، بقدر ما قد يعكس شكلا من اشكال اعادة ترتيب الاختلالات والتحكم فيها.
لذلك فان الانطباع الذي تتركه بعض المؤشرات، التي توحي في ظاهرها باستعادة النسق الطبيعي، لا يدوم، ولا يحجب ما بات عليه الاقتصاد التونسي من بطء وضعف في الاستجابة، وتراجع في محركاته الاساسية من الاستثمار، والانتاج، والتشغيل. محركات تستمر في النشاط لكنها لا تولد زخما فعليا.
وغياب الزخم هو ما يفقد المؤشرات المالية التي تقدمها السلطة جزءا من قيمتها التفسيرية. فخفض المديونية الخارجية، وهو ما تحقق وامر مهم، لم يرق الى مستوى الانجاز الاقتصادي الكامل اذ لم يقع التاسيس عليه لتنشيط الاقتصاد وتحفيز الاستثمار، بما يدعم النمو ويكسر حلقة النمو الهش التي بات عليها الاقتصاد التونسي منذ اكثر من عقد.
نمو هش لم تنعكس ارقامه الا على التوازنات المحاسبية، اذ ظل عاجزا عن تحقيق اثر تنموي ملموس ومستدام، مما جعل الاقتصاد اسير نمط هجين يجمع بين تحسن مؤشرات المالية العمومية الكلية واستمرار الاختلالات التي تضعف من حيوية الاقتصاد وقدرته على اعادة انتاج حركته، نمط قادر على تحقيق الانضباط المالي لكنه لن يضمن استدامة التوازنات ولا اطلاق محركات الانتاج، وهو وضع تتسع فيه المسافة بين ما تقوله الارقام وما يعيشه الاقتصاد، مسافة تتحول تدريجيا لتكون الفخ والازمة، فخ تحسن المالية العمومية وازمة انكماش الاقتصاد.

 

المشاركة في هذا المقال