بصفة نهائية الانتصار القيمي لأفكار حقوق الانسان حتى وإن تنكرت لها - كليا أو جزئيا - الحكومات المتعاقبة.
ثورة جاءت بالحرية لا يمكن لها إلا أن تتأسس فلسفيا على قيم حقوق الانسان في مختلف أبعادها وأننا سنكتب سويا قصة هذه الحقوق على الأرض التونسية مهما بدا من عداوة لها..
كانت حقوق الانسان في السنوات الأولى للثورة كالاشتراكية في الستينات: هيمنة أيديولوجية شبه مطلقة ولا يتجرأ عليها حتى من لا يؤمن بها مع ممارسات سلطوية لا علاقة لها بحقوق الانسان سوى التدثر باسمها..
ينبغي الاعتراف أن سمعة حقوق الانسان قيما وأفكارا ونشطاء قد بدأت تسوء منذ حوالي العقد.. سوء تعمق بشكل جذري بعد 25 جويلية 2021 إذ أصبحت حركة حقوق الانسان في بلادنا رديفة عند بعضهم بالتسيب وانحلال الدولة وعبث الأحزاب وانفلات الاعلام وفساد الحياة العامة بل وبالعمالة أحيانا كذلك..
هذا دون الحديث عن الضرر البالغ الحاصل جراء حرب الإبادة على غزة والمواقف الغربية الرسمية المتواطئة مع العدوان الصهيوني.. فإن كانت هذه الجهات التي تريد تلقيننا الدروس حول احترام حقوق الانسان بمثل هذه المواقف عندما يتعلق الأمر بالحق الفلسطيني فأي قيمة اذن لما كانت تقوله هذا إن لم نقل بأن أيديولوجية حقوق الانسان إن هي إلا أداة من أدوات الاستعمار الجديد؟!
هذه هي الصورة التي اكتسحت العقول والقلوب وجعلت من الحركة الحقوقية التونسية حركة مسترابة عند جزء من مواطناتنا ومواطنينا.
الواضح أنه ثمة مزج عند جلّ التونسيين بين الانتقال الديمقراطي والحرية والديمقراطية وحقوق الانسان وأن هذه القضايا هي قضايا النخبة المتصارعة على السلطة - الرمزية أو المادية - عبر وسائل الاعلام وفي الشارع وفي البرلمان وأنه رغم احتفائنا جميعا بهذه المفاهيم الجديدة بعد الثورة إلا أن سوء الأوضاع الأمنية وترهل القدرة الشرائية وانسحاب الأمل عن الأفق حول كل هذه المفاهيم والحركات والشخصيات التي تقف وراءها من رموز ايجابية الى كائنات مسترابة وتم تحميل كل النخب أخطاء الجميع لا فقط الأخطاء المخصوصة لكل فريق.. وكذا الأمر بالنسبة للحركة الحقوقية اذ اتضح فيما بعد أن تنوعها بل وتذررها أحيانا واختلاف مشاربها وأهدافها - وهي أمور جدّ طبيعية - قلل تدريجيا من قدرتها على التأثير ومن وضوح صورتها وأفكارها عند الرأي العام...
عوامل عدة أدت الى حصول 25 جويلية 2021 لعل أهمها الرغبة عند فضاءات واسعة داخل الدولة وداخل المجتمع في وضع حدّ لـ«فوضى» الانتقال الديمقراطي وفي فرض «النظام» حتى لو كان متشددا على كافة مكونات الانتقال الديمقراطي ومن بينها الحركة الحقوقية التي أضحت تسمى ازدراء وسخرية بـ «الحكوكية»..
ولا شك أن قضية المهاجرين غير النظاميين من جنوب الصحراء قد عمقت التباعد بين جزء من المجتمع (الأكثر خوفا أو ازدراء للآخر المختلف) وبين الحركة الحقوقية لاسيما تلك المعنية بحقوق الأقليات عامة والمهاجرين غير النظاميين خاصة.
الواضح إذن أن الحركة الحقوقية التونسية رغم نضالها الطويل منذ أجيال (لقد تأسست الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الانسان منذ 49 سنة في 7 ماي 1977 وهي الرابطة الأولى افريقيا وعربيا) ورغم علو صوتها وكعبها ومعاركها الحاسمة في عشرية الانتقال الديمقراطي إلا أن حاضنتها الشعبية في تراجع بفعل سببين اثنين:
- الصعود اللافت للتيارات الشعبوية بأنواعها وهي تيارات معادية للحقوق وللحريات ومناهضة للاختلاف وللأجنبي وجلّها يخوّن الحركة الحقوقية ونشطائها..
- التضخم غير السليم دائما للحركة الحقوقية خلال عشرية الانتقال الديمقراطي بما أوهم بقوتها وسعة انتشارها ولكن ما إن تغيّرت موازين القوى حتى انسحبت من دائرة الفعل مكونات وتنظيمات عديدة اضافة الى الصراعات التي تشق بحدة صفوفها الى اليوم..
لكن الحركة الحقوقية تملك رغم ذلك زخما شبابيا واضحا على الميدان فجزء هام من جيل الثورة لا يريد التخلي عنها وعن قيمها وأهمها الحرية في كل أبعادها ومستوياتها فالتراجع النسبي الذي تحدثنا عنه يشمل البعد المنظم في الحركة الحقوقية فقط لا غير ولكن لن يتحول هذا الزخم الشبابي الى قوة مؤثرة وفاعلة في المجتمع الا بتجديد جدي في الأفكار وفي الممارسات وفي أشكال التنظم أيضا مع حدّ أدنى من الوحدة ومن تجاوز صراعات الماضي وتشتت الجهود...
قد يحلم بعضهم بالاندثار الكلي للحركة الحقوقية التونسية ولكن أفكار الحرية والديمقراطية قادرة على رسم حلم وطني جامع شريطة تجدد الأفكار والدماء والأساليب