Print this page

وقف إطلاق النار في لبنان لـ10 أيام: هل عزلت ايران عن جبهة المقاومة؟

رسخ اعلان الرئيس الامريكي دونالد ترامب

عن وقف اطلاق النار في لبنان لمدة عشرة ايام انطلقت من منتصف ليلة امس، انطباعا وهو انه يستعصي فهم الشرق الأوسط في سياق الحروب الراهنة والتوترات لمن يريد أن يختزل المشهد وينظر إليه على أنه كتلة واحدة خطية، أو على من يجزئه ويتعامل مع ملفاته ودوله على أنها جزر منفصلة لا رابط بينها.

فالشرق الأوسط اليوم بات أشبه بـ»بازل» كل قطعة فيه مكتملة بذاتها، تحمل منطقها وخصوصيتها لكنها في الوقت نفسه لا تكتمل إلا بتفاعلها مع بقية القطع وإنتاج صورة أشمل وأكثر تركيبا، صورة لا يمكن فهمها إلا عبر قراءة الكلّ من خلال أجزائه، والأجزاء من خلال الكلّ.

فالناظر اليوم للمشهد الذي يمتد من واشنطن إلى طهران، ومن الأراضي المحتلة إلى بيروت، سيجد أن المفاوضات التي تجزأت لتكون مكتملة بذاتها، فكل مسار تفاوضي له رهاناته وحساباته ودوافع كل طرف فيه، لكنه أيضاً لا يفكك ويكتسب معناه السياسي إلا من خلال تفاعله مع المسار الآخر، ليشكّل صورة إقليمية أكبر وأكثر تعقيداً من أجزائها.

فرغم أن المفاوضات في الشرق الأوسط اليوم تدار عبر مسارين أساسيين، مسار أمريكي–إيراني ترعاه باكستان ويبحث عن اتفاق لإنهاء الحرب بينهما، ومسار لبناني–إسرائيلي ترعاه أمريكا ويبحث عن وقف إطلاق النار، وما بينهما وساطات إقليمية ودولية متشابكة تبحث عن استقرار المنطقة وخفض حدة التوتر فيها لضمان عودة حركة الملاحة وتدفق النفط إلى سوق الطاقة، فإن هذه الصورة لا تعكس بالضرورة تعدد الملفات بقدر ما تعكس صراع سرديات.

سردية تبحث عن تفكيك صوري لجبهات الحرب في الشرق الأوسط وتسويقها منفصلة عن بعضها البعض، من ذلك التصريحات الصادرة عن مسؤولين لبنانيين وأمريكيين وإسرائيليين تشدد على أن المفاوضات غير المباشرة والمباشرة بين لبنان وإسرائيل تثبت فصل الجبهة اللبنانية عن الجبهة الإيرانية، باعتبار أن الاتفاق الذي ستفضي إليه هذه المفاوضات هو اتفاق ثنائي بين الطرفين يستجيب لرهاناتهما وموازين القوى بينهما، والذي قاد الى هدنة ووقف لإطلاق النار بـ10 ايام.

تصريحات إن تم التدقيق في دلالتها سيتضح أن ما يسوّق له كفصل بين الجبهات لا يتجاوز في الواقع فصلا تكتيكيا شكليا، في ظل تثبيت الترابط بين الجبهتين استراتيجيا، فايران التي تمسكت بأن عودتها للمفاوضات الثنائية مع أمريكا مرتبطة بتقدم ملف وقف إطلاق النار في لبنان، لن يضرها التسويق السياسي للإدارة الأمريكية بفصل الجبهات وهي تضغط على دولة الاحتلال لوقف إطلاق النار في لبنان.

ورغم أن الصورة التي تقدمها الإدارة الأمريكية تسعى إلى إبراز أنها تتعامل مع المفاوضات كمسارات مختلفة، فهي تعرف المسار مع إيران على أنه تفاوض لتحقيق هدف اختراق في الملف النووي الإيراني سواء بضبط سقف التخصيب أو تجميد طويل الأمد للمشروع، في حين أنها تقدم المسار اللبناني على أنه ملف أمني منفصل يتعلق بترتيبات حدودية وأمنية بين إسرائيل ولبنان، إلا أن ما تكشفه التطورات الأخيرة أن هذا الفصل الخطابي لا يلغي وحدة الهدف، بل يعيد توزيع أدواته.

فاتفاق وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل الذي سوق على انه كان نتيجة مباحثات أجراها مع كل من الرئيس اللبناني جوزيف عون ورئيس حكومة الاحتلال وقدّم على انه إجراء لخفض التصعيد وإتاحة هامش للتفاوض بين الجانبين.يكشف ان الية الفصل بين الجبهات المعتمدة من قبل امريكا واسرائيل هي آلية مؤقتة لضبط الإيقاع الميداني والسياسي، لا إلى قطيعة استراتيجية بين المسارات.

فما تكشفه التصريحات الخاصة بالفصل بين الجبهات هو اننا امام فصل خطابي، طالما ان الهدف الجامع بينها هو واحد. فما تبحث عنه واشنطن في الملف اللبناني هو احتواء التصعيد، وذلك لخفض حدة التوتر مع إيران وتهيئة مناخ تفاوضي وثانيا تجنب مواجهة إقليمية مفتوحة إن استؤنفت الحرب، أما إذا تم التوصل إلى اتفاق بإنهائها (الحرب) فهي قد أتمت ترتيبات ضبط سلوك إيران الإقليمي والحد من قدرتها على تفعيل شبكتها في المنطقة.

هذا التصور يقوم على فكرة أساسية وهي أن ما يشهده الملف اللبناني من تقدم مساعي وقف إطلاق النار والاقتراب من الوصول إلى اتفاق—وفق ما أوردته وسائل إعلام عبرية عن إشعار جيش الاحتلال بالاستعداد لدخول وقف إطلاق النار حيز التنفيذ—لا يمكن عزله عن السياق الإقليمي الأوسع، خصوصا مع طرح شروط تتعلق بإعادة ترتيب الحدود، وضمان أمن الاحتلال، ومنحه نفوذا لإدارة منطقة عازلة، إضافة إلى الدفع باتجاه نزع سلاح حزب الله من قبل الحكومة اللبنانية، وهي مطالب تقدَّم بوصفها جزءا رئيسي من اية اتفاق وقف إطلاق النار دائم.

غير أن هذا التسويق يتجاهل حقائق الميدان، ومنها أن حزب الله هو الطرف الذي يشتبك مع الاحتلال، وأن الاستقطاب الداخلي في لبنان بلغ مرحلة تجعل من الصعب عمليا تنفيذ شروط نزع السلاح أو القبول بتخلي لبنان عن سيادته على جزء من أراضيه، ما يعني أن الشروط والضمانات الأمنية التي يتم تسويقها غير قابلة للتثبيت واقعيا فالطرف الذي يفترض أن يتعهد بانجازها يفتقر إلى القدرة التنفيذية الكاملة، مما ينعى انه وبشكل غير معلن وصريح تم الربط بين مسار المفاوضات الايرانية الامريكية بمصير اتفاق وقف اطلاق النار في لبنان.

مما يعني أن هذا الفصل الظاهري قد يخدم في الوقت نفسه الطرح الإيراني الذي يدافع عن وحدة الجبهات، فإيران التي تتمسك بربط أي مفاوضات بإنهاء الحرب أو ضبط سلوك إسرائيل في أكثر من ساحة، ترى في الترابط بين لبنان وغزة والملف الإقليمي وحدة استراتيجية لا يمكن تفكيكها. ومن هذا المنظور، فإن التسويق الأمريكي والإسرائيلي—بل وحتى الرسمي اللبناني—لفكرة “فصل الجبهات” لا يعدو أن يكون توصيفا سياسيا وظيفيا أكثر منه انعكاسا لبنية الواقع الذي سيقع اعادة رسمه في باكستان عبر المفاوضات الأمريكية الايرانية.

إذ إن إيران، وفق تصورها الاستراتيجي، تسعى إلى حماية نفوذها الإقليمي وموقعها كقوة ردع عبر تثبيت وحدة جبهات المقاومة كجبهات مترابطة عضويا، حتى وإن تم فصل ملفات التفاوض بشأنها، فهي تدرك أن الخطاب السياسي حول الفصل ليس سوى محاولة لإدارة الضغط السياسي والأمني الناتج عن تثبيت هذه الوحدة، وبالتالي فإن هذا الخطاب ينتج إقرارا ضمنيا بأن البنية التفاوضية واحدة، لكنها تدار عبر تقسيم وظيفي للملفات يسمح لكل طرف بتسويق أي تقدم جزئي كإنجاز، مع إبقاء كل تسوية عرضة للاهتزاز إذا لم تدمج في إطار أوسع.

وهو ما يشكل الصورة النهائية والتداعيات الاستراتيجية لمسارات التفاوض الحالية. صورة مفادها أننا في طور إعادة هندسة النفوذ في الشرق الأوسط وتقاسم توازناته

المشاركة في هذا المقال