Print this page

رئيس الجمهورية من روضة آل بورقيبة: خطاب لتعبئة الشارع وطمأنته

بات تاريخ 6 أفريل من كل سنة موعدا قارا

لرئيس الجمهورية يتوجه فيه بكلمة إلى التونسيين عبر وسائل الإعلام، التي بات هذا التاريخ المقترن بذكرى وفاة الرئيس الأسبق الحبيب بورقيبة مناسبتهم الوحيدة للاستماع للرئيس مباشرة ومحاورته إن أمكن، بهدف الاطلاع على تصورات الرئيس وخياراته الكبرى ونقلها للجمهور.

وهذه السنة تزامنت فيها الذكرى 26 لوفاة الحبيب بورقيبة مع دخول الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران أسبوعها السادس منذ بدء العمليات العسكرية والتصعيد في الشرق الأوسط، وما تبعه من تداعيات اقتصادية طالت جل العالم وأركانه الأربعة، وهو ما أعطى لخطاب الرئيس هذه المرة أهمية خاصة باعتباره لحظة رمزية وسياسية يقدّم من خلالها رئيس الجمهورية ملامح توجهاته الكبرى.

خطاب سعى فيه الرئيس إلى التفاعل مع الأسئلة الاجتماعية الملحة اليوم على التونسيين، ومن أهمها أي سياسة عمومية قد تنتهجها السلطة لحماية المقدرة الشرائية للتونسيين ومنع انهيارها. سؤال كانت الإجابة عنه حاضرة في خطاب الرئيس، وإن لم تقدم بشكل مباشر وصريح على أنها كذلك، كما كان عليه الحال في علاقة بالخطاب وإجابته عن أي استعدادات لتونس وسياسات لاحتواء تداعيات الحرب على اقتصادها وتوازنات ماليتها العمومية.

ففي خطاب 6 أفريل، وإن ظل الرئيس وفيا لأسلوبه وأدواته الخطابية التي تعتمد الترميز والبلاغة والتشبيه، واستخدام معجم ومفاهيم تفتح الباب أمام التأويل، على غرار ما تضمنه الخطاب من تشديد الرئيس على «الحقوق الملموسة» وعلى الاستجابة للأولويات الاجتماعية عوضا عن الانشغال والانغماس كليا في نقاشات مؤسساتية أو قانونية يراها بعيدة عن الاهتمامات اليومية للتونسيين.

لنكون هنا أمام انتقال من شرعية النصوص إلى شرعية الأثر الاجتماعي، وهو انتقال يفرض على الدولة تكلفة مالية من أجل تحقيق أهدافها، أو فإن السلطة ممثلة في رئاسة الجمهورية تخاطر بأن تستهلك رصيد ثقة فيها إن اقتصر هذا الانتقال على أن يكون جزءا من خطاب اجتماعي تعبوي يهدف إلى طمأنة الشارع وضبط منسوب التوتر والاحتقان.

فالحقوق الملموسة التي تحدث عنها الرئيس تتضمن الزيادة في الأجور، التي أكد للمرة الثانية في أقل من أسبوعين تمسكه بها، مثل تمسكه بالالتزامات الاجتماعية للدولة، التي تشمل حماية المقدرة الشرائية وضمان خدمات عمومية ذات جودة، ليكون العنصر الأول من خطاب الرئيس مخصصا لطمأنة الشارع بأن الدولة لن تتراجع عن تعهداتها الاجتماعية المبرمجة في قانون مالية 2026، وتوجيها للحكومة بأن تلتزم بسياساته التي حددت في الخطاب بالزيادة في الأجور ونفقات الدعم.

هذا الالتزام يفرض على الحكومة ضمنيا عدم التراجع عن التزامها بتوجيه مليار دينار مدرجة في قانون المالية الجاري كنفقات طارئة إلى الزيادة في الأجور، وهو ما يعني قطع أي إمكانية لإعادة توجيه المبلغ إلى أبواب إنفاق أخرى بهدف ضبط التوازنات المالية والتحكم في العجز المتنامي نتيجة ارتفاع أسعار النفط في الأسواق العالمية، ومخاطر أن يستمر هذا الارتفاع لكامل السنة المالية الراهنة، وما يعني ذلك من ارتفاع تكلفة سلة من السلع والبضائع، أهمها الحبوب.

مخاطر لم تغب الإشارة إليها في خطاب الرئيس، الذي وإن اعتمد على قدر من الغموض، فإنه أشار صراحة وبوضوح إلى أن السلطة أتمت «الاستعدادات والاحتياطات»، وإن لم يقع تقديم تفاصيل عن هذه الاستعدادات والاحتياطات التي اتخذت لاحتواء أي تداعيات مالية واقتصادية للحرب على تونس، وهو ما يحد من تقييم ومعرفة مدى جاهزية الدولة لمواجهة الصدمات الخارجية، خاصة في ملف الطاقة الذي يشكل حوالي ربع العجز التجاري لتونس.

وضع معقد يفرض على الحكومة أن تجد مصادر وموارد تمويل لسد عجز ميزانيتها، الذي قد يتنامى في ظل تمسك الرئيس بالالتزامات الاجتماعية للدولة رغم الوضع المالي الدقيق، الذي رسم الرئيس في خطابه مسارا للحكومة لتتبعه لتعبئة موارد مالية إضافية لخزينة الدولة، وذلك بالعودة إلى ملف استرجاع الأموال المنهوبة، التي وإن كانت تمثل نظريا خيارا أمام الحكومة، إلا أن التعقيدات القانونية والإجرائية تعيق تعبئتها لسد العجز المتوقع أن يتضاعف.

تعقيدات قد تجعل التعاطي مع خطاب الرئيس من المنستير يوم أمس يُنظر إليه على أنه خطاب موجه بالأساس إلى فئات واسعة من التونسيين، الذين التقطت السلطة مزاجهم العام، فسعت إلى طمأنتهم عبر سردية سياسية متماسكة تربط بين العدالة الاجتماعية والسيادة الوطنية، وإعادة تعريف دور الدولة كفاعل اجتماعي ضامن، في سياق دولي تراجع فيه الحكومات سياساتها الاجتماعية.

لكن الخطاب وأثره يتوقفان عند مستوى النوايا في ظل التعقيدات والتحديات التي قد تحول دون أن يرتقي إلى مستوى السياسات القابلة للإنجاز والقياس، فخطاب الرئيس يعد ولا يشرح ولا يقدم سياسات عمومية قابلة للتنفيذ والقياس، وهذا ما يجعله أشبه بخطاب تعبوي أكثر من كونه برنامجا وسياسات عمومية لاحتواء الأزمة وتداعيات الحرب

المشاركة في هذا المقال