Print this page

الحرية لمراد الزغيدي وللآخرين أيضا

انتظم مساء يوم الثلاثاء الماضي بقاعة «الريو»

بالعاصمة لقاء تضامني مع الصحفي مراد الزغيدي الذي يقبع في السجن منذ ما يناهز السنتين.. لقاءغصت به قاعة «الريو» وضم مع عائلة مراد الزغيدي بعض المآت من الاعلاميين والمحامين والمثقفين والفنانين ونشطاء المجتمع المدني والسياسيين من أجيال مختلفة دأبت على الدفاع عن الحقوق والحريات منذ عقود طويلة بالنسبة لمن تقدم بهم الزمن على دروب الحياة.. وتم الإعلان في نهاية هذا الاجتماع التضامني عن تكوين لجنة وطنية للمطالبة باطلاق سراح الصحفي مراد الزغيدي تتألف من كل من جليلة بكار والجنيدي عبد الجواد ومهدي الجلاصي وآسيا عتروس وكوثر زنطور وياسين النابلي.

لا نريد العودة للملف القضائي ولا للأحكام الصادرة في حق مراد الزغيدي والتي وصّفها المحامي فتحي المولدي بـ«أحكام من الوزن الثقيل (8 أشهر يضاف إليها ثلاث سنوات ونصف وملف من الوزن الخفيف) ولكن ما يهمنا هنا فقط هو: لِمَ يقبع إلى حدّ الآن مراد الزغيدي في السجن هو والعشرات - ربّما المئات - من الإعلاميين ونشطاء المجتمع المدني والسياسيين ومواطنين وراء قضبان السجون في ملفات محورها حرية الرأي والتعبير والتنظم رغم ما أضيف لها هنا وهناك من تهم تتعلق بالإرهاب أو بالفساد المالي..؟

لماذا تعيش مئات العائلات وآلاف التونسيات والتونسيين هذه المأساة اليومية؟ لماذا هذه الأحكام القاسية التي تصدر بصفة مكثفة على مواطنات ومواطنين من نخبة البلاد وممّن عرفوا بنضالهم في مختلف ساحات السياسة والنشاط المدني والإعلام؟

هل يمكن أن يتأسس شيء ايجابي واحد عن كل هذا؟!

كتبناها سابقا ونعيدها مرّة أخرى: قد لا نتفق في التشخيص والتقييم، ولكن ألا يمكن لنا أن نتفق في حلّ إنساني عادل يعيد كل هؤلاء إلى عائلاتهم ومنازلهم وأحبابهم وذويهم؟

ما ضرّ لو أطلق اليوم سراح مراد الزغيدي وبرهان بسيس وسعدية مصباح وعبير موسي والمحاكمين في ملف التآمر وعلي العريض وغيرهم كثير..

لِمَ يصبح السجن عقابا للنشطاء؟ وهل يتحقق بهذا مطلب المحاسبة؟! وهل يمكن أن نبني وطنا تتعمق فيه الضغائن يوما بعد يوم؟!

أسئلة ما ننفك نرددها ولا نجد لها صدى ولكن لن ننفك من تردادها لأننا نرى فيها عقلا وحكمة وتبصرا وفتحا لأبواب الأمل ولمصالحة حقيقية شاملة لا تقصي إلا من شهر على الدولة والمجتمع سلاحا أو أوغل في المال العام أو ارتكب جريمة واضحة أثبتتها محاكمة عادلة شفافة ونزيهة.

كم من كفاءة سجنا وكم من طاقة أغللنا وكم من طموح قتلنا وكم من حلم هجّرنا؟..

قد لا يدرك البعض أن كل سجن لصاحب رأي كمراد الزغيدي إنما هو تثبيط للآلاف من أصحاب الرأي ومن كفاءات البلد.. فالسجن لا يتعلق فقط بالمساجين وبعائلاتهم وأحبتهم وأنصارهم بل يمتد إلى دواخل الوعي الباطن وينشر الخوف من ابداء الرأي النقدي ويعطل اعمال العقل في المجتمع..

الخسارة فادحة ولا شك لكل المعنيين مباشرة بالسجن ولكنها أفدح للبلاد فالسجن قد جعل لحماية المجتمع من الجريمة لا لتجريم الرأي والانخراط في الشأن العام..

سيقول بعضكم لا أحد فوق رأسه ريشة ولكننا نعتقد أن كل تونسية وكل تونسي من حقهم أن يكون فوق رؤوسهم مليون ريشة تحمي حرياتهم وحقوقهم وكرامتهم...

لا شك أن السياسة تدخل في كل شيء ولكننا لا نريد تسييس مسألة اطلاق سراح كل مساجين الرأي.. فهذه من صميم انسانيتنا وقوام عقدنا الاجتماعي وشرط امكان عيشنا المشترك وذلك أيا كان الشكل الذي قد يتخذه هذا الافراج.. لا شك عندنا أن هذا الشكل هام (عفو تشريعي عام أو عفو خاص أؤ حط من العقوبة أو قضاء العقوبة في البيت مع سوار الكتروني) ولكن الأهم منه أن يستعيد كل هؤلاء حريتهم وأن يغلق قوس هذه المأساة وأن ينعم كل هؤلاء باحتضان أحبتهم، وليس في هذا انتصار لأحد على الآخر ولن يكون في قرار كهذا - لو أقدم عليه أصحاب القرار - هزيمة لأحد بل سيكون انتصارا لانسانيتنا جميعا وتمهيدا لبناء مشترك يبتعد الآن عنا أفقه يوما بعد آخر..

الحرية لمراد الزغيدي والحرية لبرهان بسيس والحرية لأحمد نجيب الشابي ولجوهر بن مبارك ولعبير موسي ولعلي العريض ولسعدية مصباح ولغازي الشواشي وللعياشي الهمامي وشيماء عيسى وعبد الحميد الجلاصي وعصام الشابي ورضا بلحاج ولغيرهم أيضا جميعا فلا يتسع هنا المجال لذكر أساميهم وهذا لا يعني عندنا أفضلية أو تراتبية من أي صنف كانت..

لقد آن الأوان لكي تطوى هذه الآلام ولكي نبني سويا بلدا يسع ويتسع للجميع

المشاركة في هذا المقال