Print this page

تونس في زمن التحولات الكبرى: حينما نقصي أنفسنا

يقف المدقق والمتابع للشأن العام أمام خلل

أصاب فضاءاتنا العمومية، التي بالكاد يستشعر فيها حضور للتطورات الجيوسياسية والاقتصادية والتكنولوجية وغيرها من الأحداث التي اهتز لها العالم وانقلب. لكننا في تونس نبدو كمن أصابه ذهان ما، فاختلّت طريقته في النظر إلى ما يجري حوله.

ففي تونس، نتصرف اليوم في الفضاء العمومي والمساحات المشتركة للفعل والمساهمة في الشأن العام كما لو أننا معزولون عن العالم، لا يطالنا ما يصبه من حروب وأزمات كبرى و صراعات جيوسياسية واقتصادية وغيرها من الأحداث التي نراها بعيدة، تخصّ خرائط أخرى وشعوبا غيرنا.

منعزلون، منشغلون بتفاصيل يومية، فنغفل عن حقيقة اللحظة الدولية من حولنا. وهي لحظة ليست مجرد وقائع عسكرية أو اقتصادية منفصلة، بل لحظة إعادة توزيع للنفوذ والمعنى والثروة. لحظة تبلغ كثافتها ذروتها في الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران، التي تمثل اليوم، أيا كانت نتائجها، نقطة انعطاف في مسار العالم برمته، وتطرح سؤالا حاسما من سيستفيد ومن سيبقى في الهامش؟

هذا النوع من اللحظات، التي نعيش على وقعها رغما عنا، حتى وإن جرى تجاهلها في نقاشنا العمومي والخطاب الرسمي، لا نمتلك بشانها مثل جل الدول رفاهية اللامبالاة أو البقاء على الهامش. فهي لحظة إما أنننخرط فيها ونفتح بشأنها نقاشا عموميا واسعا يعيد تعريف أولوياتنا وخياراتنا، أو تجد انفسها خارج التاريخ. وليس النقاش هنا احتكارا للقرار أو الفهم من قبل جهة دون أخرى، بل هو نقاش مفتوح يسمح بتحويل القلق إلى سياسات، والرؤى إلى مشاريع سيادية.

وتلك هي المفارقة التونسية، متغيرات دولية، سياسية واقتصادية وتكنولوجية بل وعسكرية، تفرض علينا تحديات مصيرية. لكننا لا نخضعها لمسار من العصف الذهني يحوّلها إلى أسئلة عمومية منتجة للسياسات والمعنى والثروة. ولا نفتح نقاشا يسائل التحولات الجيوسياسية التي تمسّ بمحيطنا المباشر وتغيير المخاطر والأولويات، وتفرض علينا إعادة النظر جذريا في كل نماذجنا. ليستمر الفضاء العمومي ، في زمن التحولات الكبرى، أسيرا لليومي والمحلي، بعيدا عن مستوى اللحظة.

مثالا يبين هذه المفارقة، الحرب الدائرة اليوم بين الولايات المتحدة الأمريكية ودولة الاحتلال من جهة، وإيران من جهة ثانية، فرضت على عدة عواصم مراجعات قسرية في مجالات متعددة، أبرزها الطاقة. فقد أدى ارتفاع أسعار النفط والغاز ومشتقاتهما إلى اختبار قاس لنماذج اقتصادية قائمة على الاستيراد وهشاشة المنظومات الطاقية.

ففي دول عديدة واجهت هذه الأزمة، أثير نقاش وطني لم يقتصر على الإجراءات الظرفية للحد من كلفة الطاقة وتداعياتها الاقتصادية والمالية، بل امتد إلى أسئلة المستقبل ز كيف يمكن تحقيق استقلال طاقي؟ ما البدائل الممكنة؟ وكيف يمكن ضمان أمن الطاقة وديمومتها بعيدا عن تقلبات الأسواق والأزمات؟

ناقش أعاد طرح مسألة التحول نحو مصادر جديدة للطاقة، والبحث عن تحالفات، وتأمين الاستثمارات، والاستفادة من الفرص التي أتاحتها الأزمة. دول عديدة سعت، إن أحسنت توظيف أوراقها، إلى أن تكون جزءا من هذه التحولات. أما تونس، التي تمتلك موقعا جغرافيا يؤهلها لأن تكون قطبا قاريا في إنتاج الطاقة الشمسية ومصدرا لها نحو الأسواق الأوروبية والإفريقية، فتجد نفسها وقد بلغت الحرب شهرها الثاني غير قادرة على فتح نقاش استراتيجي حول الخيارات المتاحة، ولا على البحث الجدي عن إجابات لأسئلتها.

ما يغيب اليوم عن الفضاءات العمومية التونسية هو تحويل الأزمات إلى موضوع نقاش عمومي منظم، يشارك فيه الفاعلون السياسيون والاقتصاديون والأكاديميون، وينتج خيارات قابلة للتنفيذ في ظل أن هناك إمكانيات واقعية للاستفادة يمكن البناء عليها، إذا ما توفرت الإرادة.

هنا يتضح ان أولويتنا هي إعادة بناء شروط النقاش العمومي، تحرير الإعلام من منطق التبعية وسطوة المرسوم 54، إعادة الاعتبار للنخب والأجسام الوسيطة كفاعل في الشأن العام، ضمان حد أدنى من التنافس داخل الحياة السياسية، وخلق مساحات مؤسساتية لإدارة النقاش العمومي.

إذ لا يمكن لتونس أن تحجز لنفسها مكانا في عالم متغير دون أن تمتلك رؤية وتصورا ومشروعا. وهذا لا يتحقق دون نقاش وتفكير يشكلان جوهر الفعل السياسي، ويمكّنانها من أن تكون في قلب صناعة الأحداث والتحولات، لا على هامشها.

ما ينقصنا اليوم هو هذا الوعي بضرورة فتح نقاش عمومي منتج، يحوّل القلق إلى سياسات، والأزمات إلى مشاريع

المشاركة في هذا المقال