ضد إيران لن تستمر طويلاً، وأنه حقق أو اقترب من تحقيق أهداف الحرب التي باتت اليوم تختزل في هدفين رئيسيين هما تحييد أدوات الردع الإيرانية سواء برنامجها الصاروخي أو طائراتها المسيرة أو برنامجها النووي، والثاني هو منع إيران من السيطرة على مضيق هرمز. أما إسقاط النظام فلم يعد على قائمة الأهداف، لكن إدارة ترامب تربط بسيناريوهات يكون فيها سلوك النظام الإيراني مختلفاً عما هو عليه اليوم أو ربما النظام نفسه.
هذا الخطاب كرره يوم أمس وزير الخارجية الأمريكي ماركو روبيو في حوار مع قناة الجزيرة القطرية، كان أبرز ما فيه، ويعبر عن رؤية وإرادة ترامب للحرب وآفاقها: «أهدافنا في إيران واضحة وسنحققها في غضون أسابيع وليس شهوراً»، إذ هنا حدد السقف الزمني والسياسي للحرب، بما يوحي بإمكانية الحسم السريع استناداً إلى أن موازين القوى ترجح كفة أمريكا والاحتلال وتسمح لهما بإنهاء الحرب في مدى قصير.
تصريح يسوق فيه الوزير لقرب نهاية الحرب، ولكنه يناقض نفسه حينما يتحدث عن قائمة الأهداف التي تسعى إدارته لتحقيقها، وهي هزيمة إيران عسكرياً وإعادة تشكيل دورها الإقليمي وقدرتها الاستراتيجية، وهي أهداف من الصعب أن تتحقق في أسابيع كما أشار الوزير، بل هي أقرب إلى أهداف حرب استنزاف.
وهذا ما باتت عليه الحرب الأمريكية الإسرائيلية ضد إيران: حرب استنزاف متعددة الجبهات والأبعاد، وفق ما تكشفه الوقائع الميدانية وتطور طبيعة الأهداف والتهديدات، التي تقدم دلائل وتراكمها على انزلاق الحرب إلى نمط استنزافي طويل.
أولى هذه الدلائل الميدانية اليوم تتعلق بتحول نوعية الأهداف، ففي بداية الحرب نهاية فيفري الفارط ركزت الضربات الأمريكية الإسرائيلية على القدرات العسكرية المباشرة من قواعد ومنصات صاروخية وبنية تحتية عسكرية وقادة النظام ورموزه السياسية والدينية والأمنية، وهي أهداف تكشف أن الإدارة الأمريكية وإسرائيل دخلتا الحرب بمنطق الحسم السريع.
لكن بمرور الزمن وحدة الرد الإيراني ونوعيته، اتجه التصعيد العسكري إلى البنية التحتية الحيوية، الاقتصادية والطاقة من حقول الغاز، موانئ تصدير النفط، وتلويح واستهداف لشبكات الكهرباء ومحطات تحلية المياه، وهو تحول وإن سوق من قبل الإدارة الأمريكية وخاصة الرئيس دونالد ترامب على أنه يسرّع إنهاء الحرب، فإنه يطيل أمدها.
قائمة الأهداف التي باتت الولايات المتحدة تهدد باستهدافها، سواء البنية التحتية أو احتلال جزر إيرانية أو التدخل العسكري البري، تكشف عن استراتيجية تقوم على إضعاف القدرة الاقتصادية لإيران اليوم، وهي استراتيجية تقتضي مساراً تراكمياً وبطيئاً، وليس حسماً سريعاً، خاصة إن نظرنا إلى إدراج منشآت تحلية المياه ضمن دائرة التهديد سواء من قبل الجانب الأمريكي أو الإيراني، وهو ما ينتقل بالحرب وأهدافها إلى مربعات لا يبدو فيها الحسم قريباً.
وذلك على نقيض الخطاب الأمريكي الراهن الذي يوحي بأن إدارة ترامب تتجه إلى خيار إعلان نهاية العمليات العسكرية بشكل أحادي بعد استكمال استهداف البنية التحتية للطاقة والمائية والاقتصادية والعسكرية لإيران، وهو ما تلوح به في تهديداتها وضغوطها على النظام الإيراني، الذي تحذره من أنه لا يمكنه الاستمرار في إغلاق مضيق هرمز بعد انتهاء العمليات العسكرية، كما صرح الوزير ماركو روبيو، لأن ذلك سيجعل إيران في مواجهة تحالف دولي ضدها لاستئناف الملاحة في المضيق وضمانها.
وهي قراءة تغفل فيها إدارة ترامب عن جملة من العناصر، لا فقط تلك المتعلقة بالمواقف الأوروبية من دعواتها السابقة لتكوين تحالف ضد إيران، بل ما تكشفه المعطيات الميدانية من أن قدرة إيران على الرد لم تتراجع، وأنها لا تزال تحتفظ بهوامش فعل عسكرية رغم ما لحق ببنيتها العسكرية من ضرر، سواء بشكل مباشر عبر استمرارها في استهداف المصالح الأمريكية في دول المنطقة أو استهداف دولة الاحتلال، أو عبر شبكة حلفائها المنتشرة في أكثر من ساحة: اليمن، العراق، لبنان.
وهذا ما تجسده اليوم إيران عبر دفعها الحرب والاشتباك إلى التوسع ليشمل مساحات متعددة من الخليج إلى البحر الأحمر، بهدف تنويع أدوات الضغط والقوة وتوزيعها عبر جبهات متزامنة، وهو خيار يعقّد أي محاولة للحسم السريع، إذ إن تنوع الجبهات يمنح إيران هامشاً جديداً للرد، يخلق ديناميكية لا يتقلص فيها أمد الحرب بل يغذي عوامل إطالتها، ويُبقي الحرب مفتوحة دون أفق زمني واضح لنهايتها، حتى وإن أعلنت أمريكا عن نهاية عملياتها، ستظل عالقة في الحرب ما لم تتنكر حليفتها إسرائيل وتتركها بمفردها في مواجهة إيران وحلفائها في المنطقة.
هذه هي الفجوة اليوم بين تصريح أبرز وجوه الصف الأول للإدارة الأمريكية التي تعد بحسم خلال “أسابيع”، وبين الواقع الميداني المركب وطبيعة الحرب نفسها التي باتت حرب استنزاف منذ اللحظة التي استهدف فيها رأس النظام الإيراني وبنيته التحتية الحيوية. فهذه الحرب لم تعد قابلة للفهم كصراع تقليدي يسير نحو نهاية قريبة، بل في جوهرها حرب مفتوحة على الزمن، قابلة للانتقال من استنزاف مضبوط إلى انفجار يحرق كامل المنطقة