الكائنات الحية بل وأيضا الكائنات الاجتماعية (الدولة.. المجتمع.. الدورة الاقتصادية.. المؤسسة التربوية.. الأحزاب..)
في عالم الحيوان (بمعنيي الكلمة) استراتيجيات الانغلاق والانفتاح عادة ما ترتبط بموقع الكائن في السلّم الغذائي (La chaine alimentaire) فالفريسة مدفوعة عموما الى الانغلاق لأن جلّ استراتيجياتها دفاعية حمائية وقدرتها على الهجوم والمبادرة ضعيفة للغاية.
وكذلك الحال في الكائنات الاجتماعية: الانغلاق دوما علامة ضعف وخوف من المختلف ومن المستجدّ حتى وإن صاحب هذا الانغلاق مظاهر القوة والبطش كما الحال في الدولة الانغلاقية.
استراتيجية الانغلاق عند الدولة لا تشي بالمرة على صلابة وقوة بل على خشية من ذهاب سطوتها وهي لذلك تغلق الأبواب أمام خصومها اعتقادا منها بأن ذلك سيحميها من التشقق وأن القوة إنما هي في السطوة والمنع لا في الادماج والانفتاح.
في القديم كانت الدولة تعوض انغلاقها الداخلي بـ«انفتاحها» الخارجي، أي بالحروب والاحتلال وعقد الصفقات وتأمين طرق التجارة الاستراتيجية بالنسبة لها وكانت الأسوار المحيطة بالمدن الرئيسية هي الرمز الظاهر لهذا الانغلاق الدفاعي، فالأسوار لم تجعل فقط للحماية من الأعداء الخارجيين بل وأيضا وأحيانا أساس للتوقي من «أعداء» الداخل كما يتصورهم المخيال الحضري القديم والأسوار تهدف أيضا الى المحافظة على المدينة «نقية» من كل التأثرات الأجنبية..
الدولة المنغلقة تتناغم عادة مع المجتمع المنغلق والمنزوي على ثبوتية سرمدية لا تتجدد فيها الأفكار والنشاطات والقيم... فالأسوار عادة ما تكون في الأذهان قبل أن تبنى في الأعيان..
في المجتمعات القديمة الانغلاق كان هو السمة الطاغية لم ينج منها سوى الفلاسفة والعلماء والشعراء ولكن مع التسارع الذي شهده التاريخ منذ الثورة الصناعية والهيمنة الغربية على العالم ثم التحولات الضخمة التي تجدّ يوميا منذ عقود أصبح الانغلاق ،الخوف من الآخر ومن المغامرة ومن التجديد مؤذيا بأفول دول ومجتمعات وبتقهقرها في سلّم التغذية..
الانغلاق يحرم الدولة من قدرتها الادماجية، ادماج المختلف والمغاير عبر ديمقراطية تعددية مفتوحة ولكن الضرر لا يتوقف عند هذا الحدّ، لأن الانغلاق يوّلد الخوف لا فقط عند السياسي المعارض أو الناشط الحقوقي أو المناضل النقابي فحسب بل عند كل صاحب مبادرة وكل حامل لفكرة.. فالنتيجة الحتمية هي قتل روح المبادرة في المجتمع.. المبادرة الاقتصادية والمبادرة الفكرية والمبادرة العلمية.. فالدولة المنغلقة بطبعها عدوة للابداع والمجازفة وهي تستمد شرعيتها من الجمود القيمي والمجتمعي وتخشى التساؤل والنقد، فهي دولة محافظة إلى درجة الجمود..
ما نلاحظه اليوم في تونس هو مسار انغلاق يشمل الدولة والمجتمع معا.. مسار يضيق ذرعا بكل الأصوات الخارجة عن السرب، وبكل أشكال ومستويات الحريات.. السياسية والحقوقية والاعلامية والفكرية والأكاديمية.. والنتيجة هي عدم استفادة البلاد من كل قواها وكفاءاتها والعالم حولنا يتحول بسرعة جنونية وتحدّياته تهز استقرارنا واقتصادنا وتبعث بخيرة شبابنا الى كل صنوف الهجرة..
ثمن الانغلاق مكلف للغاية لأنه يثبط عزائم عدد هام من مواطناتنا ومواطنينا ويحرمنا من طاقات لا يمكن لها أن تبدع وتفيد إلا في مناخ حرّ مطمئن لا يتسقط العثرات ولا يجرم الحق الطبيعي في الاختلاف..
لن تكون تونس على رأي واحد مهما كانت رجاحة هذا الرأي وهي، أصلا، لا تحتاج إلى رأي واحد قد يرى شيئا وتغيب عنه أشياء كثيرة..
تونس تحتاج لجميع الآراء ولجميع الطاقات وكل ذرة ذكاء وابداع وطموح وشجاعة، وهذا لا ولن يتحقق دون مشروع وطني جامع مدمج..
الانغلاق مؤذن بالخراب، اليوم أو غدا