Print this page

«المغرب» ورهان التجدّد والتشبيب • إلى روح الهاشمي الطرودي

هذه آخر افتتاحية أكتبها وأنا المسؤول الأول عن

التحرير في جريدة «المغرب» منذ عودتها إلى الصدور في شكل جريدة يومية ذات 23 أوت 2011 وبعد انقطاع دام حوالي 21 سنة...

وكما أخذت المشعل من فقيد الصحافة التونسية الشيخ الهاشمي الطرودي كما يحلو لأحبته تسميته ها أنّ ابن «المغرب» حسان العيادي يأخذ المشعل اليوم ليقود معية زميلاته وزملائه مرحلة التجدّد والتشبيب بذات الروح وبنفس الغايات، إذ حلمت كل الأجيال التي تعاقبت على «المغرب» منذ أفريل 1981 بتونس حرة وديمقراطية وبصحافة مستقلة وتعددية وتقدمية...

أسّس الاستاذ عمر صحابو مجلة «المغرب» في أفريل 1981 وكانت آنذاك مجلة أسبوعية ناطقة بالفرنسية ثم تحولت بعد فترة قصيرة الى مجلة مزدوجة اللسان، و«المغرب» كانت جزءا مما كنا نسميه بربيع الصحافة المستقلة والمعارضة التي أسست لتجربة إعلامية رائدة منذ نهاية السبعينــات مـع «الـرأي» و«Démocratie» وRéalités» و«Le phare» و«الطريق الجديد» و«المستقبل» و«L'avenir» و«الموقف» و«الوحدة».. وكانت كل هذه الجرائد والمجلات الحاضنة الأساسية للنقاش الفكري والسياسي وللمطالبة بالحريات وبالديمقراطية، وقد لعبت «المغرب» خلال حوالي العشرية دورا أساسيا بإحتضانها لكل الحساسيات الفكرية والسياسية وباءعطائها مكانة مميزة للرأي وللحوار وكانت تشبه الى حدّ ما برلمانات الدول الديمقراطية فعادة ما يحتد النقاش داخل أسرة التحرير بين آراء ومواقف متناقضة ولكنها كانت كذلك مدرسة تدربنا فيها على الحجاح والتعايش والدفاع عن قيم الفكر الحرّ..

كانت حينها فترات الايقاف تتجاوز فترات الصدور وهذا لم يكن خاصا بـ«المغرب» بل شمل الغالبية من الجرائد والمجلات المستقلة والمعارضة..

كنت التحقت بـ«المغرب» في أواسط سنة 1988 وأصبحت نائب رئيس تحرير القسم العربي الذي كان يشرف عليه آنذاك الشيخ الهاشمي الطرودي وتوقفت التجربة في ديسمبر سنة 1990 وحوكم مدير المجلة الأستاذ عمر صحابو وأودع السجن بتهمة «نشر أخبار زائفة» والحال أن السلطة قد غضبت كثيرا من العدد الصادر يوم الخميس 26 ديسمبر 1990 حيث قيّم فيه بعض نواب البرلمان أداء وزراء بن علي وبعضهم، آنذاك لم يحصل على «المعدل»!

احتجبت «المغرب» حوالي 21 سنة وعادت بفضل الثورة التونسية.. عادت هذه المرة في ثوب جريدة يومية ناطقة بالعربية وكان طموح مؤسسها الأستاذ عمر صحابو وطموحنا جميعا أن نصدر يومية ثانية باللغة الفرنسية وأن تكون «المغرب» هي «الجريدة المرجعية» في تونس من حيث دقةالمعلومة وعمق التحليل دوما في سياق ديمقراطي تعددي مستنير...

وكما يقال في لغة كرة القدم فريق «المغرب» بعد 2011 كان مزيجا من «الخبرة» التي يمثلها جيل الثمانينات إعلاميا وفكريا وبين «الطموح» لعشرات خريجي الجامعة التونسية وخاصة معهد الصحافة والهدف كان أن تكون «المغرب» متميزة على المستويين: الإخباري والتحليلي...

مثلت سنة 2013 منعرجا جديدا في حياة «المغرب» بدءا بلجوء أسرة التحرير الى السيد المنصف السلامي الذي كان أحد المساهمين في الشركة الناشرة لـ«المغرب» (Grand Maghreb médias) ليتولى قيادة هذه الشركة وهو ما قبل به عن طيب خاطر ونهاية بمغادرة الأستاذ عمر صحابو للجريدة..

لا نخفي قراءنا الكرام أن بعض المخاوف ساورتنا خاصة سنة 2014 حول استقلالية «المغرب» خاصة وأن السيد المنصف السلامي قد أصبح عضوا بمجلس النواب عن حزب نداء تونس..

ولكن مخاوفنا تبددت بسرعة اذ أكد لنا السيد المنصف السلامي أنه حريص أشد الحرص على استقلالية الجريدة وأنه لن يتدخل مطلقا في خطها التحريري...

وأشهد أن السيد السلامي قد كان وفيا لالتزامه هذا منذ أن قبل هذه المسؤولية الى يوم الناس هذا وأنا أعلم أنه قد تحمل بسببنا بعض الضغوطات والمتاعب ولكننا وجدنا فيه دوما السند الذي سمح لهذه التجربة بالاستمرار دون أن تفقد هويتها..

لا شك أننا قمنا بأخطاء على امتداد هذه المسيرة الطويلة ولكنت ما نفخر به أن «المغرب» تتحدد فقط داخل أسرة تحريرها وتتحدد أساسا داخل ضمائرنا.

«المغرب» تجربة أجيال من الصحفيين والمثقفين والكتاب منهم من غادرنا كالاخوة كمال الفازع والهاشمي الطرودي وعادل الحاج سالم لروحهم السلام ومنهم من غادر المساهمة في الكتابة ومنهم من مازال مثابرا عليها ولو ببعض التقطع ولكننا نشعر جميعا بانتمائنا لروح واحدة وان تعددت الأجساد والمسارات والمآلات..

ولأن «المغرب» تجربة أهم من الأشخاص.. كنا نفكر سويا منذ سنوات على شروط الاستمرار ولا استمرار دون تجدد ولا تجدد دون تشبيب..

لقد آن الأوان أن نخوض معا هذا الرهان مع أحد أبناء هذه المدرسة التي التحق بها منذ تخرجه من معهد الصحافة وعلوم الاخبار سنة 2011..

لقد خبر قراؤنا والمهتمون بالشأن العام الأستاذ حسان العيادي من خلال كتاباته وتدخلاته الإعلامية وكان من الطبيعي أن يسند اليه هذا المشعل ليقود معية الفريق تجربة التجديد والتشبيب، وحرصا على وحدة قيادة «المغرب» أصبح الاستاذ حسان العيادي المدير العام المساعد في الشركة الناشرة تجنبا لازدواج المهام والقيادة..

الأساسي في كل هذا أن «المغرب» ستبقى بيد العاملين فيها من طواقم صحفية وتقنية وادارية وستكون مهمة صاحب هذه السطور المرافقة والتأطير والنصح والسهر مع كامل الفريق على انجاح تجربة التجديد والتشبيب هذه، كما ستكون لي مع قراء «المغرب» مواعيد متجددة كتابة وتفكيرا ونقاشا..

ليس من السهل أن يتحدث الشخص عن نفسه ولكنني اعتبر أن «المغرب» هي البنت التي لم أرزق بها وهي بضعة مني علىامتداد عقود من حياتي.. وأمنيتي أن أراها تنمو وتزدهر وتتجدد وأن أرافقها في ذلك ما كان في العقل نظر وفي الجسم قدرة وبصر.

نحن لا نهوّن من الصعوبات التي تعترض اليوم الإعلام المكتوب وتراجع وضع الحريات الصحفية والعامة ولكننا كلنا ثقة بأن تجربة «المغرب» ستستمر وأن الصحافة الحرة والمستقلة هي المآل الطبيعي لتونس ولأجيال المناضلات والمناضلين من أجل الحقوق والحريات والكرامة ولكل شبابنا الطامح لمستقبل أفضل..

من أجل كل هذا سنواصل رعاية الأمل معا

المشاركة في هذا المقال