لمجلس الأمن القومي الإيراني علي لاريجاني على مشهد الحرب، رغم الصمت الإيراني الذي يترك مساحة للغموض والضبابية، في انتظار أن تتضح الصورة التي كان من الجلي أن اللافت فيها ليس حقيقة الاغتيال من عدمه فقط، بل طبيعة الهدف والرسائل الموجهة.
استهداف الاحتلال لكل من علي لاريجاني وغلام رضا سليماني وعدد من أبرز رموز النظام الذي يتعرض اليوم إلى محاولة استهداف نواته السياسية الصلبة التي تمسك اليوم بمقاليد البلاد وإدارة الحرب، وهو ما يكشف أن الاحتلال ومن خلف الولايات المتحدة الأمريكية يبحثان عن مخرج مختلف لورطتهما بالانتقال من إدارة الحرب إلى محاولة إعادة تشكيل نواة القرار الإيراني.
فالاحتلال والولايات المتحدة الأمريكية اللذان دخلا الحرب ضد إيران نهاية فيفري الفارط انطلاقا من قراءة تقول بأن تفوقهما العسكري واغتيال الصف الأول للنظام الإيراني ورموزه، وأهمهم المرشد علي خامنئي، كفيل بإخضاع إيران، أو على الأقل دفع من تبقى من النظام إلى الرضوخ والانصياع ضمن معادلة إقليمية جديدة. لكن مضت الحرب بغير ما اعتقده الطرفان، سواء في نمط المواجهة أو في أدواتها، لا لتسقط هذه الفرضية فقط، بل لتبين خلل القراءة منذ البداية، وهو ما يتكرر اليوم بمحاولة استهداف النواة الصلبة للنظام الإيراني على أمل أن يقود ذلك إما إلى إعادة هندسة مراكز السلطة في إيران أو توجيه رسالة بأن الحرب إن استمرت فإن الاحتلال وأمريكا لن يتراجعا عن استهداف البنية العميقة للسلطة وتدميرها.
هذه الرسائل يبدو أن الاحتلال، حينما استأنف عمليات اغتياله أمس، أراد أن يوجهها وأن تكون دلالتها مزدوجة: الإعلان أن اليد العليا لا تزال له، وأن له قائمة بالأهداف، والأهم أنه لا يزال مخترقاً إيران ونظامها أمنياً، وأن له معرفة جيدة بطبيعة النظام الإيراني القائم على شبكة متداخلة من التوازنات السياسية والأمنية.
هذه الشبكة يلوح الاحتلال اليوم بأنها ستكون هدف عملياته العسكرية، وليس فقط المنظومة العسكرية الإيرانية، أي إنه يلوح بإعادة تحديد الأهداف الاستراتيجية له في هذه الحرب، عبر استهداف شخصية محورية في النظام الإيراني، إن تأكد مقتله، سيكون لذلك انعكاس على التوازنات داخل إيران ونظامها، وقد يعيد ترتيب مراكز القوة والنفوذ صلبه بما يحقق اختراقاً أمريكياً وصهيونياً، إما بإضعاف النظام أو بدفع تيارات أكثر لينا إلى الواجهة.
لكن مثل عملية اغتيال المرشد يغفل الطرفان عن أن محاولات استهداف أهم صناع القرار أو أصحاب النفوذ في إيران، على غرار لاريجاني، قد يؤدي إلى نتائج عكسية، وهي تركيز القرار داخل الدوائر الأكثر تشدداً. وهذه من النتائج المحتملة لاغتيال لاريجاني وسليماني، وهي أن تذهب نواة النظام إلى التصلب أكثر، وتدفع في اتجاه حرب وجود لا مجال فيها للتفاوض، تعيد إنتاج الحرب بصيغة أكثر حدة وتعقيدا.
إن ما نشهده اليوم لا يندرج ضمن مجرد تصعيد عسكري ولا تحول بنيوي في طبيعة الحروب، بل مناورة صهيونية هدفها إعادة ترسيخ التفوق العسكري والاستخباراتي الذي يمنح الاحتلال وأمريكا القدرة على اختراق البنى السياسية وإعادة صياغة معادلات النفوذ بهندسة سياسية، يبدو أن نتائجها قد تكون عكسية كليا.
فإن تأكد اغتيال علي لاريجاني، فهذا لن يكون مجرد حدث عابر، بل نقطة مفصلية جديدة في الصراع، ومؤشرا على انتقال الحرب إلى مستوى آخر. فالرسالة التي وُجهت للنظام الإيراني أنه هدف وساحة للحرب، وليس فقط قدراته العسكرية وترسانة أسلحته، وهو ما يُنتظر أن يجيب عنه النظام إما بالرضوخ أو بإعادة رسم حدود القوة والردع في هذه الحرب وفي غيرها