على انه رسالة بروتوكولية او خطاب اجرائي لا ثقل له، بل هو يعامل معاملة الوثيقة السياسية الاصلية التي تؤسس لمرحلة كاملة. وهذا ما ينطبق على البيان الاول الذي اصدره المرشد مجتبى خامنئي بعد ايام من انتخابه من قبل مجلس خبراء القيادة خلفا للمرشد السابق والده علي خامنئي، بيان اول حددت فيه ثلاث مسارات او خطوط وهي استمرارية النظام، الاستعداد لحرب طويلة، وتثبيت معادلة الردع.
فاول كلمات للمرشد الثالث لم تكن خطابا انفعاليا عن الحرب والهجوم الامريكي الصهيوني بل خطابا سياسيا حمل رؤية للمرحلة القادمة التي يصنفها النظام الايراني اليوم بانها مرحلة الصمود والردع، التي دعا الايرانيين الى الصمود فيها والوحدة بخطاب تعبوي يعيد توظيف الحرب في بناء هوية البلاد والنظام وتحصين الجبهة الداخلية.
فهذه المرحلة التي يعلن عنها المرشد مجتبى وتقوم اساسا على اطالة امد الحرب وتعزيز قدرات الردع وابراز مكان القوة، استهلت بخطاب حمل رسائل سياسية واضحة للغرب، وهي ان الدولة الايرانية والنظام لم يصبهما الارتباك باستهداف قادة الصف الاول واغتيال المرشد السابق، بل هما مستقران استكمالا لعملية انتقال السلطة وامنا الاستمرارية حتى في اكثر اللحظات حساسية.
هذه الرسالة الفكرة ليست تفصيلا شكليا، فالنظام الايراني قائم على مبدأ ولاية الفقيه الذي يمنح المرشد دور الضامن الاعلى لاستقرار الدولة، وهذا ما بحث عن ترسيخه المرشد الجديد الذي اعلن استقرار الوضع وان مراكز القرار لم تتصدع وتنهار وان انتقال القيادة لا يعني انتقالا في بنية النظام ولا في استراتيجية ادارة الحرب.
والقصد هنا ان ايران التي تخوض حربا سوق لها الجانب الامريكي على انها قصيرة واوشكت على الانتهاء، لن تسمح بذلك، فهي وعلى لسان المرشد غيرت طبيعة الحرب كليا وجعلتها حرب استنزاف ولن تعلن نهايتها وايقاف العمليات العسكرية ما لم تحصل بلاده على ضمانات امنية حقيقية تمنع تكرار الهجمات.
هذه الصيغة التي تعلنها ايران اما حرب استنزاف او الاستجابة لمطالبها تعني ان طهران لا ترى ان الاستهداف الامريكي الصهيوني لها نهاية فيفري الفارط مجرد مواجهة محدودة يمكن انهاؤها بتفاهم سريع كما في حرب الاثني عشر يوما، بل صراع استراتيجي يتطلب اعادة رسم قواعد الردع في المنطقة وتوازن القوى.
ولهذا فهي تختار الانتقال بالمعركة من مستوى الرد الدفاعي الى مستوى الصراع المفتوح تدفع به الى اعادة تثبيت معادلة الردع في المنطقة، وفرض كلفة عالية على اي محاولة لاستهدافها الان ومستقبلا. فطهران لا تنظر للاستهداف الامريكي الصهيوني عليها على انه ازمة عابرة، بل تقيمه على انه مفترق استراتيجي قد يعيد تشكيل توازنات الشرق الاوسط.
وهذا ما حرص المرشد الجديد على ان يضمنه في رسائله الموجهة للعالم وجيرانه بالاساس، والتي تضمنت ايضا اقرارا بان الحرب ستستمر وان القواعد الامريكية في المنطقة ستظل هدفا وان القوات المسلحة الايرانية ستواصل القتال الى ان يتحقق الردع الكامل. والمقصود هنا هو ان ايران لن تعلن نهاية الحرب الا عند تثبيت قواعد اشتباك جديد في المنطقة، لا العودة الى الوضع السابق.
هذا الخطاب الاول للمرشد الذي يمثل الان وثيقة تاسيسية لمرحلة استنزاف وتصعيد طويل ستكون فيه دول الخليج مستهدفة ومضيق هرمز ايضا، وان ايران يمكنها الاستمرار طويلا في الحرب قبل ان تذهب الى تفاوض، فهي اليوم انخرطت في هذه الحرب ولا تبحث عن مخرج سريع منها