Print this page

التخطيط في الخطاب الرسمي التونسي: الدولة جامع للمطالب لا صانع للاستراتيجيات

استقبل رئيس الجمهوريّة قيس سعيّد رئيسة الحكومة

سارة الزعفراني الزنزري ووزير الاقتصاد والتخطيط سمير عبد الحفيظ ليعرض عليهما تصوّره لمخطّط التنمية للفترة القادمة، وليعيد من خلال هذا اللقاء طرح سؤال يتجاوز الوثيقة المرتقبة إلى جوهر وظيفة الدولة ذاتها: ما معنى التخطيط في الدولة؟ هل هو مجرّد عملية تجميع المطالب الاجتماعية وترتيبها، أم هو أداة تفكير استراتيجي تحدّد من خلالها الدولة اتجاه الاقتصاد والمجتمع؟

في هذا الاجتماع قدّم رئيس الدولة تصوّراً للتخطيط يقوم على فكرة أساسية مفادها أن المخطّط يجب أن ينبع من إرادة المواطنين. فالمشاريع، وفق هذا التصوّر، لا تصوغها أجهزة الدولة المركزية، بل القاعدة الاجتماعية عبر مسار ينطلق من المجالس المحلية، ثم المجالس الجهوية فمجالس الأقاليم وصولاً إلى المجلس الوطني للجهات والأقاليم حيث يتمّ تأليفها في شكل مخطّط تنموي وطني. أي إنّ التخطيط هنا هو عملية سياسية تنطلق من المجتمع أكثر ممّا تنطلق من الإدارة.

وهذا الفهم يطرح إشكالية جوهرية تتعلّق بطبيعة التخطيط ذاته. فحين تُختزل الدولة في أنّها مجرّد آلية لتجميع المشاريع القادمة من الجهات ثم المفاضلة بينها واختيار ما يمكن إنجازه، فذلك إعلان صريح بتحويل الدولة إلى جهاز يقوم بتنظيم الطلبات الاجتماعية، ولم تعد كياناً يكشف الفعل والعقل الجمعي لصياغة استراتيجية واتجاه عام للاقتصاد.

ممّا يفرض علينا مرّة أخرى سؤالاً أثاره نهج السلطة في تعريف التخطيط: هل الدولة بصدد صياغة رؤية اقتصادية للمستقبل، أم بناء آلية إدارية لإدارة المطالب الاجتماعية؟

ما تعلنه السلطات في خطابها يوحي بأنّها تختزل التخطيط في كونه تنسيقاً بين المشاريع وترتيباً للأولويات الجهوية، وتغفل عن أنّه — أي التخطيط — وقبل كلّ شيء هو قدرة الدولة على التفكير في المستقبل، بما في ذلك المستقبل الاقتصادي، والإجابة عن أسئلة جوهرية لا يمكن للمشاركة الشعبية أن تقدّم لها أجوبة عقلانية، وهي: هل نحافظ على طبيعته؟ وأيّ القطاعات ينبغي تطويرها؟ ما هو الاقتصاد الذي نريده بعد عشرين أو ثلاثين سنة؟ وما هي السياسات القادرة على تحقيق ذلك؟ وكيف نُمَوِّل ذلك؟ وهل هناك العنصر البشري القادر على مواكبة هذا وتحقيقه؟ …إلخ.

ما يكشفه الخطاب الرسمي عن التخطيط هو أنّه تمّ إسقاط كلي للبعد الاستراتيجي، وذلك حينما حُوِّل التخطيط إلى عملية تجميع لمئات المشاريع الصغيرة التي قد تكون مشروعة وناجعة ومهمّة، غير أنّها لا تنتظم داخل رؤية اقتصادية متماسكة. فالمطالب الاجتماعية والمقترحات والمشاريع النابعة من القاعدة قد تكون آلية تشاركية تعكس البعد الاجتماعي للدولة، لكنّها تخلو من أيّ توجّه أو استراتيجية.

هذا التصوّر الرسمي للتخطيط الصاعد من القاعدة إلى القمّة يستحضر شعار الدولة الاجتماعية وتوزيع الثروة دون الانتباه إلى ضرورة أن يكون لدينا اقتصاد قادر على إنتاج الثروة أولاً، وأن تحقيق ذلك غير ممكن إن كانت أولوية التخطيط اجتماعية بالأساس لا تبحث عن إجابات للسؤال الاقتصادي وعن كيفية الوصول إلى اقتصاد الثروة، وتحديد السياسات العمومية القادرة على خلق حركية اقتصادية وتوسيع القاعدة الإنتاجية.

كلّ هذا يبدو أنّه وقع التراجع عنه لفائدة السؤال الاجتماعي، أي إنّنا سنتخلّى عن تقاليد وإرث في التخطيط عرفته الدولة التونسية منذ السنوات الأولى للاستقلال، خطّطت فيها الدولة مركزياً وجعلت مخطّطاتها أداة لتوجيه الاقتصاد والاستثمار وبناء البنية التحتية وتنظيم عملية التنمية ضمن رؤية استراتيجية.

رؤية يبدو أنّه من الصعب أن تتوفّر اليوم في وثيقة مخطّط التنمية 2026–2030، التي سيكون التحدّي الحقيقي لها استعادة معنى التخطيط وتحويل مطالب التونسيين ومقترحات مشاريعهم إلى مشروع اقتصادي متماسك، فدور الدولة في التخطيط ليس الاستجابة للمطالب، بل التفكير في المستقبل.

فالدولة المركزية هي من تمتلك المؤسسات والخبرات القادرة على تحويل حاجات المجتمع إلى سياسات اقتصادية واضحة

المشاركة في هذا المقال