Print this page

مجتبى خامنئي مرشد لإيران: طهران تختار قائدها في الحرب

أعلن مجلس خبراء القيادة الإيراني ليلة الأحد الفارط

عن اختياره مجتبى خامنئي لمنصب المرشد الأعلى للجمهورية الإسلامية، وبذلك تتحدد هوية المرشد الثالث لإيران وملامح المرحلة القادمة التي سيكون مجتبى أحد أبرز الفاعلين في رسم اتجاهاتها.

وبهذا تم انتخاب المرشد الجديد بعد عشرة أيام من اغتيال والده علي خامنئي في عمليات عسكرية أميركية-صهيونية في حرب أودت في يومها الأول بحياة أكثر من أربعين شخصية قيادية في بنية النظام. التي راهنت الإدارة الأمريكية على انهياره قبل ان تدرك كما غيرها قدرة النظام على ملء الشغور في قمة الهرم السياسي، وقدرة المؤسسات الإيرانية على استعادة تماسكها في ظرف قياسي.

ففي غضون أيام معدودة لم يستعد النظام توازنه فحسب، بل انتخب مرشده الجديد، وسارعت مختلف مؤسسات الدولة إلى إعلان البيعة له، من رئاسة الجمهورية إلى رئاسة البرلمان، ومن المجلس الأعلى للأمن القومي إلى قيادات مقر خاتم الأنبياء، مروراً بـ الحرس الثوري الإيراني وأذرعه العسكرية والأمنية.، وهذه البيعة الجماعية ليست إجراء بروتوكولي، بل رسالة سياسية واضحة مفادها أن النظام، اعاد ترتيب نفسه وحفاظ على استمرارية مؤسساتها واختيار قائد جديد سيقود الحرب.

فالنظام الإيراني منذ قيام الجمهورية الإسلامية بقيادة روح الله الخميني ارتبطت بمفهوم ولاية الفقيه، وهو المفهوم الذي يمنح المرشد الأعلى موقعاً مركزياً في البنية الدستورية للدولة. فالمرشد ليس مجرد رمز ديني، بل هو رأس السلطة وراسم استراتيجية البلاد، يتولى القيادة العليا للقوات المسلحة، ويحدد الاتجاهات الكبرى للسياسة الداخلية والخارجية، ويشرف على المؤسسات السيادية الدينية والعسكرية والأمنية.

مركزية منصب المرشد في النظام تشرح لماذا تعتبر عملية اختياره قرار سياسي مركّب تتداخل فيه اعتبارات دينية ومؤسسية وأمنية، فضلا عن الحسابات الإقليمية والدولية. اذ يتم اختيار المرشد من قبل مجلس خبراء القيادة من بين قائمة مرشحين تتوافر فيهم شروط محددة، من أبرزها المكانة العلمية الدينية، والقدرة على إدارة شبكات النفوذ داخل الدولة، والثقل الرمزي في المؤسسة الدينية.

هذا الاطار مهم لفهم ما يعنيه انتهاء المسار باختيار مجتبى خامنئي من بين ستة مرشحين بارزين، وهو اختيار يحمل في ذاته دلالات تتجاوز مجرد الإعلان عن تعافي النظام بعد الصدمة. فاسم مجتبى خامنئي برز خلال العقدين الماضيين بوصفه أحد الشخصيات المؤثرة داخل مركز القرار الحقيقي في إيران، أي مكتب المرشد الأعلى. فمن خلال عمله داخل هذا المكتب استطاع نسج شبكة واسعة من العلاقات مع النخب الدينية والسياسية، كما لعب دوراً تنسيقيا بين المؤسسة الدينية وبعض مراكز القوة داخل الدولة، ولا سيما مع قيادات الحرس الثوري.

وتكتسب هذه العلاقة الخاصة مع الحرس الثوري الإيراني أهمية مضاعفة. فالحرس لم يعد مجرد مؤسسة عسكرية، بل تحوّل خلال العقود الأخيرة إلى أحد الأعمدة الرئيسية للنظام، قد تكون العلاقات بينه وبين مجتبى هي ما نتحت الاخير التقدم الذي حققه على بقية المرشحين. فشبكة علاقاته لا تقتصر على المؤسسة الدينية، بل تمتد إلى المؤسسات المدنية والعسكرية والأمنية، كما تربطه صلات وثيقة بقيادات الحرس الثوري، وهو ما وفر له قاعدة دعم داخل أحد أهم مراكز القوة في النظام.

غير أنّ قراءة الانتقال في منصب المرشد الأعلى لا يمكن اختزالها في شخصية الرجل وحدها. فالنظام الإيراني، بحكم طبيعته المؤسسية، ينظر إلى هذه العملية من زاوية أوسع، زاوية الحفاظ على تماسك الدولة في لحظة تهديد وجودي. إيران اليوم تواجه حرب مفتوحة وضغوط اقتصادية خانقة، فضلا عن توترات وتحولات اجتماعية داخلية سبقت الحرب وتم احتواء مظاهرها الحادة لكن لم يقع نزع فتيلها كليا او معالجة أسبابها.

كل هذا يتقاطع ويرتبط ليشكل سياق ايراني ينظر فيه إلى الاستقرار المؤسسي كاولوية قصوى مستعجلة، شكلت الملامح العامة للمرشد قبل ان تحدد اسمه، وهو شخصية تمتلك معرفة بمراكز القرار وقادرة على الحفاظ على التوازن بين المؤسسات يستطيع قيادة البلاد في زمن الحرب قبل السلم، وهذا يعنى شخصية يمكنها ان تتصدر المشهد الايراني اليوم وتضمن استمرار السياسة الإقليمية وبرنامج الردع العسكري الحالي في الوقت الراهن على الاقل.

فالنظام والنخب الحاكمة في طهران تدرك ان الحرب قد تطول ولهذا فانها تحتاج الى مرشد يمكنه ان يضمن التنسيق ووحدة المواقف بين القيادة السياسية والمؤسسة العسكرية، شخصية يمكنها اطالة امد الحرب ولكن اعلان نهايتها،

ومن توفرت فيه هذه الخصال هو مجتبى خامنئي المرشد الثلاث للجمهورية الاسلامية الايرانية، الذي يبدو انه لن يسارع الى التفاوض لانهاء الحرب بقدر ما سيعمل على ان تعزيز موقع ايران قبل ان مسار تفاوضي قادم، وتحسين شروط التفاوض بما يخدم الرؤية الاستراتيجية للنظام

المشاركة في هذا المقال