وخطابها ووعودها الرسمية، أطلت الحكومة، من خلال مجلس وزاري مضيّق، لتعلن عن تسريع نسق عدد من “المشاريع الاستراتيجية الكبرى” المدرجة ضمن مخطط 2026 /2030، بل وقدمت عرضًا حول نسب التقدم والحلول المقترحة لتجاوز العراقيل واستكمال هذه المشاريع في آجالها المحددة.
وجاء البلاغ بلغة توحي بدخول مرحلة التنفيذ الحاسمة والتقدم الفعلي في إنجاز المشاريع، وهو ما يتعارض مع حقيقة المشهد الذي، في أفضل حالاته، لا يتجاوز إعلانًا عن طموحات وافتراضات لا تدعمها عناصر ملموسة تسمح بالنظر إلى ما يُسوَّق بجدية. فالحكومة التي تعلن عن تقدم إنجاز مشاريع القطار السريع، وميناء المياه العميقة، وتوسعة المطار وربطه بشبكة المترو، لم تحدد حتى الكلفة الأولية لهذه المشاريع ولا رزنامة إنجازها.
ورغم ذلك، تعلن عن تقدمها وعن توقعاتها الأولية لانعكاسات هذه المشاريع على المشهد الاقتصادي والتنموي في البلاد. ومن ذلك القطار فائق السرعة الممتد من بنزرت إلى بن قردان، الذي يُقدَّم كرافعة اندماج وطني وإقليمي، إذ سيفك العزلة ويربط بين التجمعات السكنية ومراكز الشحن على غرار الموانئ، بل وسيكون قاعدة لربط تونس في فضائها الإقليمي.
غير أن هذا المشروع، الذي ينتمي إلى فئة البنى التحتية الثقيلة ذات الكلفة الرأسمالية المرتفعة والتعقيد التعاقدي والتقني والأفق الزمني الطويل، اختُزل في البلاغ الحكومي في نقاط فضفاضة وعامة لا تقترب من حقيقة الرهان وصعوبة تنفيذه، باعتباره مسارًا تفاوضيًا وماليًا وتقنيًا يستغرق سنوات ويفترض شراكات واضحة وتمويلات مؤمّنة ومرصودة، لا مجرد نوايا وطموحات. وتخبرنا الوقائع بأن البلاد لم تحدد الكلفة ولا مصادر التمويل، ولم تنطلق في أولى الخطوات، كإعداد الدراسات التفصيلية وبحث الفجوة بين الكلفة التقديرية والموارد المتاحة، وغيرها من العناصر التي تكشف أن ما قُدّم ليس مخططًا قابلًا للتنفيذ بقدر ما هو وعد سياسي وإعلان نوايا.
الأمر ذاته ينسحب على توسعة مطار تونس قرطاج الدولي ورفع طاقته الاستيعابية إلى 18.5 مليون مسافر سنويًا، وفق الخطاب الرسمي الذي يسوّق الأمر على أنه تعزيز لموقع تونس كمحور إقليمي للنقل الجوي. وكذلك مشروع ميناء المياه العميقة بالنفيضة، الذي تأجل مرارًا منذ سنة 2005، وعاد إلى الواجهة بإعلان “انطلاق فوري” واعتماد مقاربة الأقساط الوظيفية.
الإشكال هنا ليس في الطموح الذي يحمله الخطاب الحكومي، ولا في محاولة توجيه الرأي العام نحو أفق إيجابي، بل في العقل السياسي الذي سمح للحكومة، كجهاز تنفيذي إداري، بعرض مشاريع كبرى لم تستكمل شروطها المالية والتعاقدية والتقنية، ثم الإعلان عن تحقيق تقدم ملموس فيها، مخاطرةً بتوظيف الخيارات الاستراتيجية للبلاد كعناصر في خطاب تعبوي.
لقد قدّمت الحكومة تصورات وأفكارًا لم تُحسم إمكانية تنفيذها ولا تكلفتها، على أنها مشاريع في طور الإنجاز، متجاهلة الفجوة بين الخطاب والطموح والقدرة التنفيذية، ومخاطِرةً بتقويض ما تبقى من ثقة في مؤسسات الدولة، التي تُسوّق لتحقيق تقدم في مشاريع لا يُعرف منها سوى أسمائها وعناوينها الكبرى، ضمن مخطط تنموي 2026–2030 لا يزال هو الآخر في طور النقاش. وهو ما يسلط الضوء على جدية الخطاب ومصداقيته.
فما تعلنه الحكومة من مشاريع كبرى واستراتيجية لا تُقاس جديته بضخامة الشعارات ولا بتفاصيل البلاغات، بل بقدرة الدولة الفعلية على الانتقال من إعلان النوايا إلى إنتاج أثر اقتصادي واجتماعي محسوس، حيث تنتقل الاستراتيجية من حيّز التصور إلى حيّز السياسة العمومية الفاعلة. عندها فقط تُبنى الثقة وتتعزز مصداقية السلطات والدولة إزاء شركائها ومواطنيها.
ما تحتاجه البلاد اليوم ليس تضخيم العناوين، بل ترسيخ منطق الدولة القادرة على الإنجاز على ضبط الكلفة، وتأمين التمويل الخ…. فالمسافة بين الإعلان والتنفيذ ليست تفصيل تقني، هي شرعية سياسية وثقة اجتماعية تستنزف ان وقع التلاعب وسوق للطموح على أنه وقائع