Print this page

التصعيد بين أمريكا وإيران: لماذا لا تقع الحرب رغم اقترابها ؟

يتحرّك الشرق الأوسط اليوم على إيقاع توتر

متصاعد في الملف الإيراني، حيث يتقاطع بطء المفاوضات مع حدّة الرسائل المتبادلة بين طهران وواشنطن، في مشهد لا تعلن فيه الحرب ولكنها تظل خيارا قائما يدفع بالمنطقة وبأهم فاعليها إلى منطقة رمادية فلا هي حرب ولا سلام، بل أزمة مستدامة تتكرر أحداثها لتوحي بأن المنطقة باتت تُدار بقواعد جديدة.

هذه المنطقة الرمادية التي بات عليها الشرق الأوسط برمته اليوم ليست توصيفًا بلاغيًا بقدر ما هي توصيف لطبيعة التوازنات الراهنة وللمسار التفاوضي، الذي استؤنف منذ أسابيع ولكنه يتحرّك ببطء محسوب في جنيف، وكأن الأطراف تتفاوض على إدارة الوقت أكثر مما تتفاوض لحسم النزاع، في ظل تباين وبون شاسع في الرهانات والمصالح.

وهو ما يجعل السؤال اليوم ليس: هل يمكن الوصول إلى حل دائم ونزع فتيل الأزمة؟ بقدر ما هو: هل يمكن الوصول إلى تفاهمات جزئية لمنع الانفجار الشامل، الذي تلوّح به الرسائل العسكرية والتصريحات الحادة أو التحركات الميدانية من مناورات بحرية، وتعزيزات في القواعد، وتسريبات عن خطط جاهزة لضرب منشآت نووية، أو تلويح بغلق ممرات بحرية واستهداف قواعد ومنشآت عسكرية وغيرها من الرسائل، التي وعلى حدّتها تظل ضمن سقف محسوب بدقة من الجانبين.

فالولايات المتحدة، التي تلوّح بأوراقها بقوة وتهدد بحرب دفعت بعدد من الدول إلى دعوة رعاياها لمغادرة إيران، تدرك قبل غيرها أن أي ضربة عسكرية واسعة قد تشعل سلاسل من ردود الفعل الإقليمية التي يصعب احتواؤها، وأن أسطولها البحري الضخم قبالة بحر العرب لا يمكنه فرض قواعد الاشتباك أو منع انجرار المنطقة إلى الفوضى. وإيران تعي أن الدخول إلى مواجهة مفتوحة قد يفاقم ضغوطها الاقتصادية ويهدد تماسكها الداخلي.

وهذا ما يجعل من الطرفين، في تصعيدهما الخطابي، أقرب إلى من يبحث عن ردع متبادل لا عن المواجهة أو الحسم، وهو ما يضعهما ويضع الشرق الأوسط في منطقة رمادية. والرمادية تتجلى أيضًا في الخطاب السياسي؛ فواشنطن، التي تؤكد التزامها بمنع إيران من امتلاك سلاح نووي، لا تجعل من الحرب خيارها الوحيد ولا الاستراتيجي، بل تلوّح بالعقوبات والضغط الدبلوماسي. وطهران، التي تتمسك بحقها في التخصيب وبأن تكون قوة إقليمية، تحرص على أن يكون خطابها متناسبا مع التصعيد الأمريكي دون الذهاب إلى ما هو أبعد أو التلويح بجرّ المنطقة إلى حرب شاملة، فهي تدرك حدودها وهوامش المناورة المتاحة لها.

هنا نحن امام جبل جليد، قمته الظاهرة هي التصعيد الخطابي والميداني، سواء التهديد أو تحرك القطع الحربية إلى الشرق الأوسط، لكن ما خفي منه تحت السطح هو تسارع التحركات سواء في جنيف أو في الخليج العربي وباقي مراكز القرار والنفوذ اليوم، بهدف منع الانزلاق إلى حرب من خلال الانتقال من السعي إلى حل الأزمة إلى إدارتها، وهي الغاية التي يبدو أنها باتت قائمة بحد ذاتها لمنع الحرب والفوضى.

هذا ما تقوم به اليوم القوى الرئيسة في الشرق الأوسط عبر الدفع إلى خفض التصعيد من خلال قنوات تواصل مباشرة مع طهران وواشنطن، تُسوّق لاعتبارات الأمن الطاقي والاستقرار الاقتصادي، وتعلن صراحة رفضها للحرب أو لاستخدام أراضيها كمنصة وقواعد لاستهداف إيران، في الوقت الذي تتمسك فيه برفضها للمشروع النووي الإيراني ونفوذه الإقليمي.

في هذا السياق تبدو المنطقة الرمادية خيارا اضطراريا يتيح لكل الأطراف تجنب الحرب دون إلغائها أو تقديم تنازلات جوهرية، مقابل تأجيل الحسم وترك عناصر الأزمة تتراكم، والمراهنة على الوقت لإعادة تشكيل المعادلات والتوازنات الإقليمية.

وهو ما يعني أننا إزاء تغيير في النسق، لا في المعادلة أو التوازنات، حيث يسعى كل طرف إلى أن يستثمر هذا الاستقرار الهش للضغط من أجل تغيير التوازنات الراهنة

المشاركة في هذا المقال