بمحكمة الاستئناف بتونس حكمها النهائي في قضية المحامي والقاضي الإداري السابق أحمد صواب، مقرّة الأحكام الابتدائية مع تعديل جوهري في العقوبة، عشرة أشهر في التهمة الأولى، وسنتان مع تأجيل التنفيذ في التهمة الثانية، وإلغاء المراقبة الإدارية. بما أفضى إلى الإفراج عنه بعد أشهر قضاها في السجن.
حدث يعيد ترتيب الأسئلة أكثر مما يقدّم أجوبة نهائية، ويفتح باب التأويل حول كيفية قراءة هذا الحكم في سياق تونسي مثقل بملفات ذات طابع سياسي منذ 2021. فالقضية، التي أثارت جدلًا واسعًا في الرأي العام، انطلقت من تصريحات انتقد فيها صواب مسار القضاء، ملمّحًا إلى تعرض القضاة لضغوط مباشرة، في تعليقه على ما عرف بقضية “التآمر على أمن الدولة”. تصريحات كيفها القضاء كتهمتين “التهديد بما يوجب عقابًا جنائيًا مرتبطًا بجريمة إرهابية”، و“تعريض حياة أشخاص معيّنين بالحماية إلى الخطر بالإفصاح عن معطيات من شأنها الكشف عنهم”. بهما تشكل مسار قضائي انتهى يوم امس إلى تعديل العقوبة دون إلغاء أصل الإدانة.
وهذا ما قد يولد حيرة بشان كيف يمكن قراءة الحكم؟ نحن أمام مراجعة تقنية محضة في تقدير العقوبة ضمن درجات التقاضي، أم إزاء مؤشر سياسي-قضائي يعكس تحولًا في إدارة الملفات الحساسة
هناك من سيرى الامر على انه طبيعي ويفهم القرار باعتباره ممارسة طبيعية لوظيفة الاستئناف، حيث تعاد موازنة العقوبة وفق تقدير مختلف لخطورة الأفعال أو لظروفها. باعتبار ان الفارق بين الحكم الابتدائي والحكم الاستئنافي لا يمسّ أصل التتبع ولا يلغ التجريم، بل يقتصر على تخفيف الجزاء. بهذا المعنى، يظل الحكم منسجمًا مع منطق تقني يكرّس تدرج التقاضي ويؤكد وجود مسافة تقديرية داخل الجهاز القضائي نفسه، دون أن يعني ذلك تحوّلًا في المقاربة العامة.
لكن القراءة التقنية، وإن كانت وجيهة، لا تستنفد الدلالة السياسية للحكم. فالإفراج عن شخصية ارتبط اسمها بملف شديد الحساسية، في ظرف يتسم بتوتر سياسي واجتماعي وضغوط اقتصادية متراكمة، لا يمكن عزله عن السياق الأوسع. اذ هناك من يرى في تخفيف العقوبة دون التبرئة صيغة وسطى، خفض منسوب التوتر، من غير المساس بما تعتبره الدولة “شرعيتها السردية” في إدارة معركة ضد ما تصفه بتهديدات لأمنها. أي أن السلطة تظهر قدرا من المرونة في العقوبة، لكنها لا تعترف بتضخم التتبعات أو بتوسّع التأويلات الجزائية.
غير أن هذا التأويل يظل افتراضا في غياب مؤشرات إضافية تجعل من الإفراج عن صواب علامة عن انفراج في المشهد العام، او بداية تسويات قضائية في ملفات أخرى، فالإشكال الأعمق يتجاوز شخص صواب إلى طبيعة العلاقة بين القضاء والسياسة، وكيف نقيس تنقية المناخ العام هل بعدد المفرج عنهم بتخفيف العقوبات أم بإعادة النظر في تجريم العمل السياسي ومعارضة السلطة.
و هنا يتقاطع القانوني بالسياسي، ويتحول الحكم من واقعة قضائية إلى مؤشر على اتجاه عام لم تتضح معالمه بعد ، فما يقدمه حكم الاستئناف هو ان القضاء يعدّل، لكنه لا يتراجع يخفف، لكنه لا يبرّئ.
ولكن هنا وجب الانتباه الى انه لا يمكن اختزال حكم الاستئناف في بعده الإجرائي البحت، كما لا يجوز تضخيمه إلى حد اعتباره منعطفًا سياسيا مكتمل المعالم. ما يتيحه القرار هو قراءة مزدوجة قضاء يمارس سلطته التقديرية في تعديل العقوبة، من دون أن يمسّ بأساس الإدانة، وسلطة قد تختبر من خلال هذا التخفيف إمكان خفض منسوب الاحتقان من غير أن تعيد تعريف علاقتها بالمعارضة أو بمفهوم التجريم ذاته.
وهو ما يجعل من الإفراج عن أحمد صواب بعديا عن كونه بداية انفراج فعلي في المشهد التونسي الذي يظل رهين مؤشرات تتجاوز الحالة الفردية، سواء عبر تسويات قضائية مماثلة في ملفات أخرى أو عبر مراجعات تشريعية تحدّ من توظيف النصوص الجزائية في إدارة الخلاف السياسي