Print this page

خطة أوروبية أمريكية جديدة لليبيا: من إعادة توزيع السلطة إلى ضبط المتوسط ؟

نشرت وكالة الأنباء الإيطالية «نوفا» ما وصفته بخطوط

عريضة لخطة جديدة لادارة الازمة الليبية، تم تداول بنودها وتفاصيلها في كل من روما وباريس في سبتمبر 2025 وجانفي الفارط، بإشراف المبعوث الأميركي مسعد بولس، ومشاركة ممثلين عن الشرق والغرب الليبي، أو للدقة ممثلين للمرشحين المحتملين ليكونوا جزءا من القيادة القديمة–الجديدة لليبيا.

فالخطة التي يبدو أن الإدارة الأميركية والإيطالية والفرنسية تدفع باتجاهها، تتضمن إعادة توزيع مراكز النفوذ والمواقع القيادية في الدولة الليبية بين الخصوم في بنغازي وطرابلس، بهدف الوصول إلى قيادة موحدة تضمن استقرار أمني وسياسي، من منظور يتجاوز منطق التوفيق بين مؤسسات مزدوجة وتوحيدها إلى منطق إعادة هندسة شاملة للسلطة التنفيذية وهرم القيادة في المؤسسة العسكرية.

هنا تقترح الخطة تعديل مواقع أبرز المتنافسين في المشهد الليبي، وليس إقصاءهم، إذ تعيد توزيع المواقع والمناصب السياسية السيادية وفق توازنات جغرافية، بالإضافة إلى توحيد المؤسسة العسكرية وجعلها تحت قيادة مشتركة. وكل ذلك يقدّم بعنوان “الاستقرار” الذي لا يبدو انه قد يقود إلى انتخابات في المدى المتوسط بقدر ما سيرسّخ توازنات جديدة توفر حدا من الانضباط المؤسسي بما يسمح بتدفق النفط إلى الأسواق ومنع الانفلات الأمني.

وما تعلنه الخطة، وإن بشكل غير صريح، لا يقف عند نقطة توزيع القوى والنفوذ، بل يبدو كأنه إعلان عن تأبيد حالة الانتقال والاستثناء وتجاهل كلي للاستحقاق الانتخابي، في ليبيا التي تعيش منذ أكثر من خمسة عشر عاما في حلقة مفرغة من الانتقال السياسي المفتوح وصراع القوى الإقليمية والدولية على النفوذ والمصالح لأكثر من عقد.

وها هي اليوم ليبيا تعود لتكون عنصر في الحسابات الغربية ( الأوروبية–الأميركية)، المتعلقة بالهيمنة والنفوذ وضبط المجال المتوسطي. فالرهان الأوروبي يتمثل في ضمان الحد الأدنى من الاستقرار الوظيفي في المجال الليبي بما يحمي المصالح الاقتصادية، وخاصة الطاقة، ويحد من المخاطر الأمنية، وبالأساس تدفقات الهجرة غير النظامية والعمق الأمني لليبيا في الساحل الإفريقي.

أما الرهان الأميركي، الذي ينكشف عبر تحركات مبعوث الرئيس الأميركي دونالد ترامب، فيبدو مختلفا في زاويته الجيوسياسية. فالإدارة الأميركية، التي تنخرط بشكل مباشر في إعادة ترتيب التوازن في المتوسط، تنظر إلى الملف الليبي لا باعتباره أزمة داخلية فحسب، بل عقدة جيوسياسية تتداخل فيها الطاقة بالممرات البحرية ومجالات النفوذ. وتحركات مسعد بولس خلال الأشهر الفارطة في ليبيا والإقليم توحي بسعي إلى دفع الخطة إلى الأمام، لتحقيق ما قد تعتبره إدارة ترامب اختراقا مهما في مستوى إعادة تشكيل التوازنات المتوسطية وغلق الطريق امام امام تمدد النفوذ الصيني او الروسي.

هذا التنافس هو ما تستند إليه القوي الغربية لتبرير التسويات السياسية التي تفرضها على الداخل الليبي، والتي تكشف من خلالها انها تسعى الى تحقيق استقرار وظيفي لا يهم إن كان يحظى بدعم ليبي داخلي بقدر ما يهم أن يرسّخ أمرا واقع ويضمن حدا أدنى من المصالح، وفي مقدمتها تدفق الطاقة إلى الأسواق وضمان الأمن في منطقة المتوسط.

وهذا ما يجعل الرهان على إعادة تشكيل المشهد أو السلطة في ليبيا، ووضع حد لأزمتها، مسألة تتجاوز حدودها الجغرافية إلى الدول المحيطة بها، خاصة دول شمال إفريقيا، التي تجد نفسها في منافسة ومواجهة معلنة وكتومة مع القوى الإقليمية المتوسطية والدولية، لا سيما في ظل التحركات الأميركية.

فدول الجوار، تونس ومصر والجزائر، عاشت خلال الأسابيع الفارطة على وقع زيارة مسعد بولس وتحركاته، ما دفعها إلى التشاور والتنسيق قبل إصدار بيان مشترك تؤكد فيه تمسكها بسيادة ليبيا ورفضها للتدخل الخارجي ودعوتها إلى حل ليبي–ليبي. ولم يكن ذلك التحرك الوحيد، إذ انشغلت دول الجوار الليبي في معمعة هذه المتغيرات الكبرى، عبر تنسيق ثنائي أو ثلاثي أو متعدد الأطراف، بحثًا عن استراتيجية مشتركة، أو على الأقل عن ضمان الحد الأدنى من مصالح هذه الدول.

فهي لا تنظر إلى ليبيا كملف أمني فقط أو كسوق اقتصادي، بل باعتبارها نقطة ارتكاز في الخطط الغربية التي تريد إعادة فرض هيمنتها على المتوسط برمته. ومن هنا، فإن الترتيبات الجديدة التي تتضمنها الخطة المسرّبة لا تتوقف عند هندسة المؤسسات الليبية فحسب، بل تتجاوزها إلى ترسيخ أحقية هذه القوى في صياغة مستقبل ليبيا، ولاحقًا مستقبل المنطقة بأسرها

المشاركة في هذا المقال