Print this page

أما آن لهذه الآلام أن تُطوى؟!

لشهر رمضان مذاق خاص في تونس توارثناه

جيلا بعد جيل، ومن المظاهر المتعددة والمحبذة في هذا المذاق أنه شهر العائلة الضيّقة والموسعة.. شهر يتسم عادة عندنا بالفرح والسرور..

ولكن هل يمكننا أن ننسى أن كل هذه الأحاسيس الايجابية غائبة عند مئات العائلات وآلاف الأفراد للسنة الأولى أو الثانية أو الثالثة أو الرابعة أو حتى الخامسة على التوالي بحكم تواجد الأم أو الأب والزوجة أو الزوج والأخت أو الأخ والبنت أو الولد في غياهب السجون تبعا للايقافات والمحاكمات التي طالت هذه السنين الأخيرة ناشطات ونشطاء سياسيين أو في المجتمع المدني أو اعلاميين أو نقابيين أو مواطنات ومواطنين تكاد تنحصر تهمهم في تدوينات على وسائل التواصل الاجتماعي...

نحن لا نتحدث هنا عن السياسة أو القانون أو عن شرعية هذه المحاكمات من عدمها أو على مدى تطابق الأحكام السالبة للحرية مع ما قُدّر بأنه جرائم...

كل هذه الأمور هامة ولا شك والنخب وعموم المواطنات والمواطنين منقسمون حولها أحيانا إلى حدّ التنافي المطلق..

نحن نتحدث عن مسألة وحيدة وهي ما ضرّ لو يتم اطلاق سراح جميع هؤلاء لتنجلي هذه الكربة عنهم وعن أهاليهم وذويهم وأحبتهم؟َ

لا يهم اليوم كيف يكون شكل الافراج هذا.. عفو تشريعي عام.. عفو خاص.. حطّ من العقوبة.. أو حتى الابقاء عليها مهما كانت مدة المحكومية على أن تقضى خارج أسوار السجون وسط الفضاء العائلي..

لا يهم اليوم أن يكون هؤلاء أحرارا تماما في الحركة والتنقل وحتى السفر أم في حالة اقامة جبرية أو بين هذا وذاك..

لنفترض أن سياسيا محاكم اليوم بعشرين سنة سجنا وأنه قد قضى منها ثلاث سنوات.. ما المانع أن يقضي انطلاقا من اليوم بقية عقوبته في بيته وأن يسمح له بالتحرك داخل فضاء معقول كالولاية مثلا وأن يراقب فقط بسوار الكتروني (Bracelet électronique)؟

بهذا سترفع الآلام والعذابات لا فقط للسجينة أو السجين بل للعائلة كذلك التي تعيش الحرمان العاطفي وأحيانا كذلك المادي مع تحول تراجيدي في نمط عيشها بكل مستوياته..

ينبغي على كل تونسية وتونسي أن يتوقف ولو مرة واحدة مدة دقائق معدودات ليتخيل حياة كل عائلة يوجد أحد أفرادها داخل السجن.. نتحدث هنا عن كل العائلات ونخص بالذكر منها تلك التي لم تشهد من قبل التجربة المريرة لفرد جانح أو مجرم داخلها... وعائلات الناشطات والنشطاء التي نتحدث عنها هل كلها من هذا الصنف وحتى تجربة السجن السابقة عن الثورة لبعضهم كانت نتيجة محاكمات سياسية لا علاقة لها بجرائم الحق العام..

تخيلوا لدقائق معدودات فقدان عائلة ما أحد أعمدتها، جدّ أو جدّة، أب أو أمّ، زوج أو زوجة، أخ أو أخت، ولد أو بنت، تخيلو كيف تعيش هذه العائلة هذا الجرح الغائر وكيف ستتحول حياتها اليومية الى مأساة رغم شجاعة العديدين ورباطة جأشهم، ولكنها تبقى مأساة يومية والحياة كلها ستتمحور حول الزيارة واعداد «القفة» وترقب تلك الدقائق المعدودات بعد طول انتظار لمقابلة الأحبة دون القدرة - في الأغلب الأعم - على احتضان العزيز (ة) أو حتى مجرد لمسه..

تخيلو فقدان مورد الرزق أحيانا الوحيد للعائلة وكيف ستقاوم لأشهر ولسنوات المأساة النفسية وقلة ما في اليد وقلة الحيلة أيضا..

لا ينبغي أن يمر الشخص أو أحد اقربائه بتجربة السجن لكي نتصور حجم المأساة التي تعيشها هذه العائلات وهؤلاء المحرومين من حريتهم..

سيقول بعضكم هم مجرمون أساؤوا للوطن وسيقول بعضكم الآخر هم رموز الحرية وضحايا الاستبداد، ولكن ورغم هذه الضغائن والأحقاد لنتفق على حدّ أدنى مما تبقى لنا من إنسانية: ما ضرّ لو وضعنا كل هذا بين قوسين، مؤقتا، وصرفنا النظر عن الأسباب والمسببات وعن المناخات السياسية والحقوقية والقانونية وقلنا بصوت واحد إن عودة هؤلاء، كل هؤلاء، الى عائلاتهم (بغض النظر عن الأشكال والصيغ القانونية) هو أمر محمود للجميع وعنصر جوهري لنزع فتيل الأحقاد ولرغبات الانتقام..

ثم ألا تكفي هذه السنوات أو الأشهر أو الأسابيع التي قُضيت وراء القضبان؟! أنريد لهؤلاء أن يموت جلّهم وراء أسوار السجون؟ ففيهم الثمانيني والسبعيني والستيني؟ فهل سنزداد لحمة وألفة وفخرا لو حصل هذا؟ أم أننا سنورث الأحقاد ورغبات الانتقام لأجيال وأجيال؟

ثم ألن نفتح بذلك صفحة جديدة في حياتنا اليوم صفحة قد تتبعها صفحات على درب مصالحة شاملة تنزع الأحقاد وتؤسس لحلم تونسي مشترك طالما راود أجيالا وأجيالا من كل العائلات الفكرية والسياسية في بلادنا..

لقد آن الأوان لأن تطوى هذه الصفحة ولأن تضمّد هذه الجراحات الغائرة

المشاركة في هذا المقال