Print this page

كوثر بن هنية من برلين: حين يستعيد المثقف وظيفته في مساءلة القيم

اختارت المخرجة التونسية كوثر بن هنية أن تترك

جائزتها على الطاولة في فعالية “سينما من أجل السلام” المقامة على هامش مهرجان برلين السينمائي الدولي، في إعلان صريح بأن السلام لا يمكن فصله عن سؤال العدالة، وأن المساواة الرمزية بين الضحية والجلاد ليست توازنًا بل اختلالا أخلاقيا فادحا.

هذا الخيار الشجاع، والكلمات التي ألقتها من منصة التتويج وهي تعلن رفضها تسلّم الجائزة وتركها كتذكار يسائل الضمير الغربي ونخبه ومثقفيه، لم تكن لحظة انفعالية عابرة، بل موقفا محسوبا يعكس انسجاما بين العمل الفني والالتزام القيمي. تماما كما ساءل فيلمها “صوت هند رجب” هذا الضمير، مستعيدا مأساة الطفلة هند رجب التي قتلت بعد استهداف السيارة التي كانت تقل عائلتها، ثم منع طواقم الإسعاف من إنقاذها وقتل اثنان من المسعفين أثناء محاولتهما الوصول إليها.

الفيلم لا يتوقف عند حدود السرد الإنساني عبر نقل كلمات الطفلة، بل يضع الجريمة في سياقها السياسي، احتلال ممتد، وقوة عسكرية تمارس العنف ضمن بنية هيمنة وحصار، وجرائم توصف على نطاق واسع بأنها إبادة جماعية. ومن على منصة التتويج، حمّلت بن هنية النخب الغربية والقائمين على المهرجان في دورته السادسة والسبعين مسؤولية أخلاقية وقيمية وسياسية، حين منحت جائزة “أكثر فيلم قيمة” لعملها على المنصة نفسها التي كرّمت الجنرال الإسرائيلي السابق نوعام تيبون.

هنا تكثفت المفارقة، وتعرت الازدواجية. فالغرب الذي أدان بقوة الحرب الروسية على أوكرانيا وفرض العقوبات وعزل المؤسسات، هو ذاته الذي يبرر ما يحدث في غزة باسم “الدفاع عن النفس” و“الحق في الوجود”، ويقود في الآن نفسه جهود إعادة إدماج دولة الاحتلال في الفضاء الدولي عبر التلاعب بالرمزيات الثقافية. أن يحتفى بعمل يوثق مقتل طفلة مدنية في غزة، وفي الوقت ذاته يكرم رمز من رموز جيش الاحتلال، فذلك ليس توازنا بل إعادة إنتاج لسردية تساوي بين الجلاد والضحية تحت عنوان المقبولية السياسية.

غير أن شجاعة بن هنية ورفضها للجائزة، وإدانتها لموقف إدارة المهرجان ولموقف فعالية “سينما من أجل السلام”، لم يكونا الحدث الوحيد. فالدورة السادسة والسبعون كشفت عن عمق الأزمة القيمية التي يواجهها الغرب، وأظهرت أن عزلة الاحتلال لم تعد محصورة في المجال السياسي والشعبي، بل امتدت إلى أوساط النخب الثقافية والفنية والفكرية. أيام المهرجان وفعالياته كشفت اتساع رقعة الغضب، التي لم تعد تستهدف الاحتلال وحده، بل طالت داعميه من دول ومؤسسات ونخب.

أهمية هذا الموقف لا تكمن في رفض الجائزة في حد ذاته، ولا في الانسحاب أو العرائض أو التصريحات الغاضبة، بل في إعادة تعريف دور النخب المثقفة ودفاعها عن حقها في ممارسة وظيفتها النقدية تجاه الفضاء الثقافي الغربي الذي يُسوَّق باعتباره مصدر القيم وحارسها. فالمثقف، إن تخلى عن مساءلة المنصة التي تكرّمه، يفقد جوهر وظيفته.

كما أن هذه المواقف، والعشرات غيرها من فنانين ومثقفين ورياضيين وإعلاميين تحدوا الصمت الممنهج ومحاولات إعادة المشهد إلى ما قبل السابع من أكتوبر، أسقطت وهم الحياد الذي احتمت به شرائح واسعة من النخب لتبرير عدم اتخاذ موقف واضح من جرائم الحرب الموصوفة على نطاق واسع بأنها إبادة جماعية. فالحياد في سياق اختلال صارخ في موازين القوة ليس إلا اصطفافًا ضمنيًا مع القوة المهيمنة.

ما كشفته شجاعة كوثر بن هنية ومن سلك دربها هو أن شرعية سردية التفوق الحضاري الغربي قد تصدعت بعمق، حين تجلى التناقض الصارخ والانقلاب على المبادئ باسم “التوازن”. توازن لم يبرر الجرائم فحسب، بل سعى إلى منحها غطاءً من المشروعية الأخلاقية والقيمية.

وما أعلنه المثقفون من مهرجان برلين ومن منصات ثقافية وفكرية ورياضية متعددة، هو أن المثقف العضوي، الملتزم الذي يرى في قضايا التحرر والعدالة جزءا من هويته الفكرية، قد استعاد موقعه الطبيعي في قلب الصراع القيمي، لا على هامشه، والفضل هنا لغزة وللفلسطيين الذين عروا الاصطفافات، وكشفوا تناقضات منظومة القيم الغربية وصورتها المتمثلة في انها بناء سياسيا يخضع لحسابات التحالف والنفوذ.

غزة التي دفعت الى ان تتعال أصوات داخل الفضاء الغربي ذاته لتسائل ازدواجية المعايير، وتفضح التناقض بين خطاب حقوق الإنسان وممارسة الانتقائية في تطبيقه، لا سعيا لهدم الغرب ككيان ثقافي، بل لمساءلته واعادة فتح النقاش حول مفهوم الحقوق ذاته، هل هي حقوق كونية أم امتيازات تُمنح ضمن دوائر الانتماء الجيوسياسي والحضاري.

لقد عرّت حرب غزة زيف الوعي الحضاري الذي طالما سوّق باعتباره حارسا للقيم الكونية. وبيّنت حجم التناقضات وتجذر ازدواجية المعايير، كما كشفت محاولات التضييق على حرية التعبير وعلى الأصوات الناقدة للاحتلال وجرائمه. وهو ما تجلى في الجدل الذي رافق المهرجان، وفي العريضة التي وقعها أكثر من ثمانين فاعلًا ثقافيًا احتجاجا على محاولة تحييد السياسة واحتواء موجة التضامن مع غزة.

غزة أعادت طرح سؤال من يتكلم باسم القيم؟ ومن يحتكر تفسيرها؟ في ضل هيمنة مخيال سياسي وإعلامي محكوم بإرث استعماري يضمر التفوق ويبرر الهيمنة، وهاهي طائفة من النخب الغربية والعربية والعالمية تستجيب وتسائل المؤسسات السياسية والثقافية عن تناقضاتها.لتعلن عن انتقل النقاش من التعاطف الإنساني إلى المحاسبة السياسية، ومن خطاب الإدانة الرمزية إلى المساءلة.

وهذا ما يعنيه موقف كوثر بن هنية ، فهي لم يكن ترك الجائزة رفضا للتكريم، بل رفضا لإفراغ العدالة من مضمونها والقيم من كونيتها

المشاركة في هذا المقال