Print this page

من التفويض الانتخابي إلى التفويض الإداري: أي تمثيل سياسي للغرفتين التشريعيتين اليوم؟

يوم الجمعة الفارط الموافق للسادس من شهر فيفري الجاري

وجّهت والية نابل «ملحوظة عمل» إلى رؤساء الدوائر، تتضمن توجيهين واضحين، طلب الإذن المسبق للخروج من مقر العمل أثناء التوقيت الإداري، وعدم قبول أي عضو منتخب، برلمانيا كان أو من أحد المجالس، والقصد هنا مجالس الأقاليم والجهات، إلا بعد إذن مسبق من الوالية.

هذا النص في ظاهره أمر تنظيمي إداري يبحث عن ضمان استمرارية العمل وحسن سير المرفق العمومي، وهو ما قد تدفع به الوالية، كممثلة للسلطة التنفيذية، في دفاعها عن المراسلة الإدارية التي يعتبر أهم عنصر فيها هو عدم قبول أي عضو منتخب إلا بإذن، لكنه في جوهره يمثل مؤشرا جديد عن العلاقة بين السلطة التنفيذية والتشريعية، والذي إن وضع في سياقه السياسي سيكشف عن ما هو أعمق من مجرد إجراء ترتيبي، وهو أننا أمام تصور للسلطة وللتشاركية.

هذا التصور الذي تقدمه السلطة التنفيذية، ممثلة في والية نابل، يقوم على جعل التمثيل السياسي للعضو المنتخب (السلطة التشريعية) يمرّ عبر البوابة التنفيذية، لا عبر شرعيته الذاتية، ما يعني أنّ الفعل النيابي يصبح مشروطا بقنوات القرار والتنفيذ التي تحتكرها السلطة التنفيذية. وهنا لا تعود الشرعية الانتخابية كافية بذاتها لإنتاج أثر وفعل سياسي، بل تصبح مرتبطة بمدى تقاطعها مع أولويات السلطة التنفيذية واستراتيجيتها. هذا الترابط سبق وأن ألمحت إليه رئيسة الحكومة خلال مناقشات ميزانية وقانون مالية 2026، حينما قدمت تصورا لطبيعة العلاقة بين السلطة التنفيذية والسلطة التشريعية، وحينما تحدثت عن الدولة الواحدة ذات مركز القرار الواحد الذي يحتكر رسم السياسات والخيارات.

وهذا ما يعزز الانطباع بأن قرار والية نابل هو في انسجام مع توجه السلطة وخياراتها، كما أنه لا ينفصل عن المناخ العام الذي ساد إثر المصادقة على دستور 2022، الذي أعاد هندسة العلاقة بين السلطتين التنفيذية والتشريعية، وكرّس علوية القرار التنفيذي، بما حوّل المجالس المنتخبة إلى فضاءات اشتغال تقني أكثر منها مراكز فعل سياسي. فالنص الدستوري ذاته منح رئيس الجمهورية صلاحية تحديد السياسات العمومية واحتكار هذه الصلاحية، إضافة إلى صلاحيات تعيين الحكومة وضبط التوجهات الكبرى، ومنحت له الأولوية التشريعية، في حين قيّدت صلاحيات الغرفتين التشريعيتين من برلمان ومجلس الجهات والأقاليم بقيود إجرائية.

واليوم، مع ما كشفته ملحوظة نابل، يتضح أننا في طور إعادة صياغة الثقافة السياسية للحكم، وهذا ما يخبرنا به اشتراط الإذن المسبق لقبول عضو منتخب داخل إدارة عمومية. فالرسالة واضحة هنا، وهي أن المنتخب لا يمثل الدولة إلا بقدر ما تسمح به السلطة التنفيذية. أي أن الشرعية الانتخابية لعضو البرلمان أو المجالس لم تعد هي من تمنحه التفويض للتمثيل السياسي، بل التفويض الإداري بات هو شرط ممارسة وظيفته الرقابية. وهذا يشمل درة تاج المشروع السياسي للسلطة، البناء القاعدي، فالمنتخب في اي من مجالس هذا البناء بدوره خاضع لهذا الضبط رغم ان هيكلة هذه المنظومة قامت على تميكن من هم في القاعدة من التاثير في الخيارات والمساهمة في اتخاذها.

وهنا يجب الانتباه إلى أننا إزاء تصور يعتبر الإدارة امتدادا حصريا للسلطة التنفيذية، لا مجال فيه لتقاطع الشرعيات، وهو ما يوحي بأننا إزاء تمشٍ سياسي من قبل السلطة التنفيذية إلى محاصرة المجالس المنتخبة داخل دائرة التشريع التقني، أي مناقشة النصوص وصياغتها دون أن يكون لها أثر فعلي في توجيه الخيارات والسياسات العمومية.

وهو ما يبين أن السلطة التنفيذية تنظر إلى المجلسين على اعتبارهما داعمين لمسارها، ينحصر دورها في توفير غطاء إجرائي، وليس شريكين في رسم السياسات ومراقبة تنفيذها، وهو ما يرسخ الاعتقاد بأن السلطة التنفيذية تسعى إلى أن يختزل الفعل السياسي في يدها، بينما تدفع بقية المؤسسات، ومنها البرلمان، إلى الهامش بعيدا عن صناعة القرار السياسي. والأمر ذاته للمجالس المحلية والجهوية التي تفقد بهذه المراسلة الادارية اي قدرة على التأثير بل وان أعضاءها المنتخبين هم في أسفل سلم التراتبية ، وهذا سيؤثر على قدتهم على اداء مهامهم التي تتطلب ولوج الى الادارة وقدرة على تمثيل الناخبين معها.

إذ إن خطوة والية نابل هي امتداد لهذا المنطق الذي يختزل الدولة وتمثيلها في السلطة التنفيذية، وهو منطق وتمشٍ يقوض معنى الشراكة في الحكم. فإذا كانت المجالس المنتخبة لا تستطيع النفاذ إلى الإدارة إلا بشروط تنفيذية، وإذا كانت المبادرة التشريعية الكبرى تصاغ خارجها واذ اصبحت امام اعادة ترتيب لتراتبية النفوذ والسلطة، فكيف يمكن القول إننا إزاء تشاركية في الحكم وتوازن أو تكامل بين السلط؟ بل وأي شرعية لمؤسسات منتخبة إن كان فعلها السياسي محكوما بإذن إداري؟

ان المنتخب، وفق دستور 2022 وفلسفته، لا يطلب الإذن لممارسة دوره الرقابي فهو يستند إلى تفويض مباشر من الناخبين. ووضع شراط الإذن لا فقط يلغي التفويض الشعبي بل يضع شرط جديد اما المنتخب للممارسة مهامه وهو ان يقع الاعتراف إداريا وهو ينتقل بنا من الشرعية الانتخابية إلى القرار التنفيذي، تتحول معه السلطة التشريعية من من سلطة أصلية إلى وظيفة مشتقة.

والاشكال هنا لا يقتصر على تنازع الشرعية فحسب، بل في ترسيخ ثقافة سياسية، تصبح فيها الإدارة مجالا محتكرا من قبل السلطة التنفيذية لا في علاقة بالتسير والقرار بل والرقابة والنفاذ إلى المعلومة كليهما بات خاضعين كليا لتقدير تنفيذي، ضمن تمشي أوسع يختزل الدولة في السلطة التنفيذية مما يجعل من بقية المؤسسات امتدادا وظيفيا لها لا مراكز قرار مستقلة.

إن المسألة تتجاوز حادثة إدارية، اذ هي تكشف عن نموذج سياسي جاري تركيزه في البلاد، نموذج يلغى توزيع الأدوار بين مؤسسات الدولة ويختزل البلاد والمؤسسات والشرعيات في مركز قرار وحيد غير مقيد وغير خاضع للرقابة او المسائلة

المشاركة في هذا المقال