Print this page

ارتفاع منسوب العنف في تونس والعالم : قراءة اجتماعية وسياسية للقلق المعاصر

رغم وقعها الأليم والصادم، لا يمكن أن يقتصر النظر

إلى حادثة الاعتداء على تلميذين في المنستير على أنها مجرّد واقعة إجرامية معزولة أو استثناء تونسي طارئ. فهي، وإن حملت كل سمات الجريمة، تمثّل كما غيرها من الوقائع المحلية والعالمية، لحظة كاشفة عن منسوب العنف الذي بات يخترق الفضاءات الأكثر حساسية في المجتمعات الحديثة، وعلى رأسها المدرسة، باعتبارها مؤسسة التنشئة الأولى بعد الأسرة، وحاضنة القيم والاندماج الاجتماعي. حين يُستباح هذا الفضاء، لا يعود السؤال متعلّقًا بالفعل في حد ذاته، بل بالمسار الذي أفضى إليه.

فتكرار حالات العنف داخل مؤسسة تربوية تعليمية يُفترض أن تؤدي وظيفة الحماية والتنشئة، يكشف أن الخلل تجاوز حدود السلوك الفردي، ليلامس البنية الاجتماعية، وهو ما لا يمكن أن نقع في فخ تأطيره كـ«استثناء تونسي»، أو كعلامة على انحراف خاص بمجتمعنا دون غيره، فالوقائع والمعطيات التي ترصد العنف في عدد من المجتمعات أيا كان ترتيبها في سلم الرقي والتطور تكشف أن العنف استشرى في كل أركان العالم الأربعة، وأننا أمام مسار أشمل وأوسع من أن يُختزل.

لكن ما يهمنا اليوم هو واقعنا المحلي، الذي تكشف معطيات السنوات الثلاث الفارطة عن تزايد مؤشرات العنف في الفضاء المدرسي والفضاء العام سواء من حيث عدد الحالات، أو من حيث حدّتها، وهي معطيات لا يمكن قراءتها بمعزل عن السياق الاجتماعي العام في تونس.

إذ لا يمكن مقاربة الأسباب الاجتماعية للعنف دون أن نأخذ بعين الاعتبار التحولات العميقة التي عرفها المجتمع خلال العقد الأخير، حيث تداخلت الضغوط الاقتصادية مع هشاشة البنى الوسيطة وتراجع أدوار مؤسسات التنشئة كالمدارس… إلخ، يضاف إلى هذا المناخ العام المشحون بالتوتر، وهو ما ينقل العنف من فعل فردي معزول إلى ترجمة اجتماعية لاختلالات بنيوية متراكمة.

من بين هذه الاختلالات التي تؤثر على المجتمعات أيا كانت خصائصها، هشاشة الوضع الاقتصادي والاجتماعي، فارتفاع نسب البطالة، خاصة في صفوف الشباب، وتآكل القدرة الشرائية، وغيرها من مؤشرات الهشاشة الاجتماعية تُحدث حالة من القلق وتبعث على شعور بالإقصاء وانسداد الأفق، فيتولد الإحباط الذي لا يحتاج لعوامل محفزة استثنائية ليتحول إلى غضب، وهو أحد محركات العنف الذي تصبح ممارسته هنا إما وسيلة للتعبير أو أداة لتحقيق الغايات.

هذا دون أن نغفل عن التحول في طبيعة الأسرة ودورها الذي تراجع، فالتحولات الاقتصادية وأنماط العيش الحضرية غيرت من هيكلة وطبيعة الأسرة من أسرة أصلية موسعة تضم عدة أجيال تتقاسم أعباء التنشئة والتربية والمرافقة النفسية إلى أسرة نواة تواجه ضغوطًا يومية، تضعف من قدرتها على القيام بوظيفتها التقليدية في التنشئة والمرافقة النفسية، وهو ما يترك أحيانا فراغًا قيميًا وسلوكيًا.

فراغ لم تعد المدرسة أو المنشآت التعليمية والتربوية تلعب دورها في ملئه. فالمدرسة، التي يُفترض أن تلعب دور المعادل الاجتماعي، عجزت في ظل الاكتظاظ ونقص الإطار التربوي المختص وتراجع الأنشطة الثقافية والرياضية، وغياب أو ضعف الدعم النفسي والاجتماعي، عن المساهمة في التنشئة وخفض حدة التوترات الاجتماعية، وعجزها دفع بشرائح واسعة إلى الانتقال إلى الفضاء الرقمي، وهنا تبرز منصات التواصل الاجتماعي كعنصر محفز لاستشراء العنف، فهي لا تكتفي بنقل العنف بل تعيد إنتاجه وتُطبع مع مشاهد الاعتداء وتمجيد القوة لتقوم ببناء نماذج رمزية تقوم على الهيمنة والعنف.

كل هذا يضاف إليه تراجع الفضاءات الوسيطة، مثل الجمعيات، النوادي الثقافية والرياضية، والأطر الشبابية، التي كانت تاريخيًا قنوات لتفريغ التوتر وبناء الانتماء. فضعف هذه الأطر أو غيابها يترك الشباب دون مساحات بديلة للتعبير، ما يدفعهم إلى الشارع بوصفه الفضاء الوحيد المتاح، بكل ما يحمله من قابلية للعنف.

غياب هذه الوسائط وتقلص المساحات يساهم بشكل غير مباشر في تنامي العنف الذي يمكن القول إنه مرتبط بانكماش السياسة بمعناها الواسع. فكلما ضاقت قنوات المشاركة، وضعفت الوسائط بين الدولة والمجتمع، وتراجع الإحساس بالقدرة على التأثير، انتقل الاحتقان من المجال الرمزي إلى المجال الفيزيائي.

هذه المحددات يمكن أن تشرح لماذا استشرى العنف في الفضاء العام، لكنها تكشف أن الوضع ليس استثناء تونسيًا أو حالة خاصة، بل سمة باتت عليها جل المجتمعات الحديثة وإن بدرجات ونسب متفاوتة، إذ إن العنف اليوم لم يعد ظاهرة محلية أو مرتبطة بثقافة بعينها، بل أصبح سمة كونية لعالم مضطرب.

من المدارس في أوروبا وأمريكا الشمالية، إلى الأحياء الشعبية في أمريكا اللاتينية، إلى ضواحي المدن العربية، تتكرر المشاهد نفسها تقريبًا لتكشف عن انفجار توترات في فضاءات عمومية أو خاصة، وما يجمع هذه السياقات ليس النظام السياسي ولا المستوى الاقتصادي فقط، بل القلق الوجودي المشترك الذي يعيشه جيل نشأ في زمن الأزمات المتلاحقة. وهو ما يجب أن ينتبه إليه من يسعى لتفكيك الظاهرة وفهمها في تونس، وهذا يقتضي أن نُخرج العنف من سردية «الخصوصية السلبية»، وأن نقرأه في سياقه العالمي بالنظر إليه على أنه عارض لأزمة أعم وأشمل، وهذا لا يعني تبريره، بل دعوة لفهمه لنتمكن من رسم سياسات عمومية تحد منه ومن تداعياته السياسية والاجتاعية

 

المشاركة في هذا المقال