في التقارير والدراسات الاقتصادية والجيوسياسية لوصف الحالة التي آل إليها العالم. غير أنّ هذا المفهوم ظلّ، إلى وقت قريب، حبيس الأدبيات الأكاديمية ومراكز التفكير، ولم ينتقل إلى خطاب القادة وصنّاع القرار إلا مؤخرا وفي مناسبات محدودة، من بينها مؤتمر العُلا لاقتصادات الأسواق الناشئة المنعقد بالمملكة العربية السعودية.
هذا المؤتمر، الذي تراهن عليه المملكة ليكون منصّة تأثير دولية وإقليمية، كشف في نسخته الثانية عن حقيقة أعمق من مجرّد اضطراب ظرفي، مفادها أنّ عالم اليوم يشهد تآكلا في اليقين. والمقصود هنا ليس غياب المعلومة، بل انحلال القناعات الراسخة واهتزاز الثقة في الأفكار والقيم والسرديّات الكبرى التي حكمت النظام العالمي، سواء في مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية أو عقب انهيار الاتحاد السوفياتي، حين ترسّخت الليبرالية الاقتصادية والعولمة باعتبارهما نموذج شبه نهائي لا يقبل التشكيك، فرديا وجماعيا. غير أنّ هذه المسلّمات لم تعد اليوم على ما كانت عليه.
وقد عكست كلمات المتدخلين في المؤتمر قدرا واضحا من الحيرة الفكرية ومحاولات أولى لإعادة التفكير، لا في كيفية العودة إلى ما كان، بل في كيفية فهم الحاضر والتحرّك داخله دون خرائط جاهزة. هذه الحيرة، وإن بدت مرتبطة بالاقتصادات الناشئة، فإنّ الاقتصادات الكبرى ليست بمنأى عنها. فالاقتصاد العالمي بات يدار على إيقاع عدم يقين بنيوي، حيث لم تعد الأزمات استثناء، بل أصبحت القاعدة.
فالنظام الاقتصادي العالمي اليوم يناقض، في كثير من مظاهره، الأسس التي قام عليها خلال العقود الماضية،
سلاسل توريد هشّة، تسييس متزايد للتجارة، تسليح للعلاقات الاقتصادية، عودة للحمائية، تصاعد غير مسبوق للديون، وتآكل أدوات السياسة الاقتصادية التقليدية. وهي مؤشرات تؤكّد أنّ الأزمة الراهنة ليست عابرة يمكن احتواؤها بإجراءات ظرفية، بل هي أزمة هيكلية تدخل العالم في مرحلة انتقالية مفتوحة على احتمالات متعدّدة.
في هذا السياق، تتضاعف أهمية ما يُقال في العُلا، خاصة التأكيد على أنّ الاقتصادات الناشئة ليست مجرّد ضحايا جانبيين لاختلالات النظام العالمي، بل أصبحت، للمفارقة مختبرًا حيًّا للفهم. فهذه الاقتصادات، التي كانت تاريخيا الأكثر هشاشة أمام الصدمات، راكمت تجارب أصبحت اليوم أقرب إلى تجربة كونية، تقود الى طرح سؤال جوهري، هل ما زال النموذج الليبرالي الراهن قادرا على إنتاج الاستقرار؟
ومن بين أبرز الأسئلة المطروحة يبرز ملف الديون بوصفه المثال الأوضح على هذا التحوّل. ففي السابق، كان النقاش يختزل في مستويات الدين أو في القدرة على السداد، أمّا اليوم فقد انتقل إلى جوهر النموذج الاقتصادي نفسه الذي جعل من الدين أداةً لا لتجاوز الأزمات، بل لتعميقها.
إذ أفضت أطر التمويل الدولية، في عديد الحالات، إلى تحويل الديون إلى وسيلة لسدّ عجز الميزانيات، حيث يوجّه جزء كبير منها لتمويل الاستهلاك الآني والحفاظ على توازنات هشّة للمالية العمومية، بدل الاستثمار المنتج. وهو قاد الى تحوّل الدولة في الاقتصادات الناشئة من فاعل تنموي إلى مقترض دائم، منشغل بإدارة أزمة متواصلة، عبر الاقتراض لسداد ديون الأمس ومنع الانفجار الآني، دون معالجة جذرية.
ما يقال هنا بوضوح هو أنّ الأزمة بنيوية، وأنّه لا وصفات جاهزة ولا خرائط مسبقة للخروج من منطقة الخطر. لكن ثمّة شبه إجماع على ضرورة مراجعة الثوابت والقواعد التي ترسّخت خلال العقود الماضية. ولا يقتصر هذا النقاش على مسألة الديون، بل يشمل أيضًا إدارة المالية العمومية، ويهزّ في العمق مفهوم الحياد التقني للسياسات المالية والنقدية.
وهذا نقاش يهمّنا في تونس بوجه خاص. فالمؤشرات تؤكّد أنّنا ليسنا حالة استثنائية، بل نعيش، مثل بقية الاقتصادات الناشئة، أزمات تعكس حدود النموذج القائم، دين يتراكم دون تحوّل هيكلي للاقتصاد، مالية عمومية تحت ضغط اجتماعي دائم، وسياسات نقدية مطالبة في الآن نفسه بحماية العملة واحتواء التضخم.
وهذا النقاش يفتح أمامنا باب تحرير تفكيرنا الاقتصادي من القوالب الجاهزة، لإنتاج خيارات تنبع من هشاشتنا الواقعية، وسمات مجتمعنا، ومحدودية مواردنا، والحاجة إلى أن تستعيد الدولة دورها التنموي كفاعل استراتيجي. وهو شرط أساسي للخروج من الحلقة المغلقة.
ففي زمن كهذا، لا تكمن الأولوية في تحديد الوجهة بسرعة أو ادّعاء وضوح الطريق منذ البداية، بل في امتلاك بوصلة، أي وعي بطبيعة الأزمة وحدود الأدوات القديمة. فهذا الوعي هو الشرط الأول لرسم مسار خاص، خارج أوهام اليقين والحلول المستوردة الجاهزة