Print this page

حينما تنشغل المؤسسات بالفعل التقني: غياب صناعة السياسة في تونس

قد يخدعنا السطح المتحرك في المشهد السياسي ليرسخ

انطباعا بأن كل شيء يمضي طبيعيا وعاديا، ولكن الأمر غير ذلك، إذ الناظر للمشهد بتمعن سيقف على أن الفعل السياسي في البلاد بات مقيدًا ومحدودًا وتقنيا في أوقات كثيرة، خاصة إن كان صادرا عن مؤسسات الدولة.

ولعل أبرز مثال يشرح هذا الوضع هو طبيعة الحراك داخل المجلس التشريعي بغرفتيه، ففي الأيام القليلة الفارطة، وبعد استكمال تجديد هياكل مجلس النواب، عاد نسق إيداع مقترحات قوانين، وتعالت أصوات تطالب بضرورة تحوير وزاري، أما مجلس الأقاليم والجهات فهو يعيش على وقع لائحة سحب الثقة من رئيسه، لكن كل هذه الوقائع مرّت باهتة بالكاد أحدثت أثرا سياسيا أو فتحت أبواب النقاش العمومي حول الخيارات والسياسات. ليبدو المشهد وكأننا إزاء لحظة «وظيفية شكلية» جديدة ترسخ الانطباع بأن الغرفتين غير قادرتين على خلق اللحظة السياسية.

فمقترح تعديل قانون عدد 19 لسنة 2008 الخاص بانتخاب رؤساء الجامعات، وعلى أهميته الرمزية والقطاعية، لم يتحول إلى معركة تشريعية أو نقاش عمومي عن طبيعة الدولة وحدود المركزية، بل كان أقرب إلى لحظة تقنية عابرة في ظل ما يُشار إليه من عدم مساندة وزارة التعليم للمقترح ورفض النقابات. أما بالنسبة للتصريحات الصادرة عن نواب المجلس بشأن التحوير الوزاري، فظلت في أغلبها خطاب بلا اثر. وفي الحالتين يبرز جليا اختلال ميزان القوى بين مجلس النواب والسلطة التنفيذية، التي باتت تتحكم في الزمن التشريعي بأدواتها الخاصة.

انحسار اللحظة هو أيضا ما ميز مسألة لائحة سحب الثقة من رئيس مجلس الجهات والأقاليم، فرغم ما تعلنه اللائحة من توتر داخلي، لم تتجاوز كونها أزمة داخلية لم تخرج من أسوار المجلس، ولم تنعكس على المشهد العام في ظل محدودية موقع الغرفة الثانية داخل منظومة القرار.

هذه الأحداث، حين تقرأ في سياقها العام، لا تعبّر عن حيوية سياسية بقدر ما تكشف عن غياب قدرة الغرفتين التشريعيتين على تحويل نشاطهما الإجرائي التقني إلى فعل سياسي مؤثر، بل بات أشبه بحضور شكلي يكشف عن محدودية قدرتهما على الفعل السياسي، الذي قد يعتقد البعض أنه يمارس في مكان آخر.

منذ انطلاق العهدة التشريعية الحالية، بدا موقع الغرفة التشريعية في المعادلة السياسية التونسية هامشيا، وكأننا أمام مؤسسات تؤدي وظائفها الشكلية دون أن تمارس فعلا سياسيا حقيقيا، رغم أننا لسنا إزاء فراغ مؤسساتي، فالمجلسان يعقدان جلساتهما العامة، ولجانهما القارة تشتغل، ومقترحات القوانين ومخططات التنمية تودع وتحلل وتناقش، ولكن هذا النشاط، على كثافته الشكلية، لم يصبح فعل سياسي قادر على التأثير في اتجاه السياسات العامة أو إعادة ترتيب الأولويات الوطنية.

هنا تتجلى المعضلة التونسية الراهنة، وهي أن مؤسساتنا باتت تمارس نشاطا إداريا لتصاب بضمور سياسي. انحصر التشريع في إنتاج نصوص والمصادقة على ميزانيات، وليس في مناقشة اختيارات وصياغة رؤى وبلورة بدائل. فأغلب النصوص المتداولة داخل أروقة البرلمان هي مشاريع قوانين صادرة عن السلطة التنفيذية، أما المقترحات المقدمة من النواب، رغم رقمها المرتفع، فقط تميزت بطابعها الإجرائي والتقني، مما دفع بالبرلمان إلى أن يتحول من فضاء للنقاش العمومي إلى وضعه الراهن، الذي أفرغت فيه الوظيفة التشريعية من بعدها السياسي، وتحولت إلى إدارة للنصوص.

والحال لا يختلف كثيرا بالنسبة للمجلس الوطني للجهات والأقاليم، الذي قدّم في الخطاب الرسمي بوصفه تجسيدًا لخيار اللامركزية وإعادة التوازن بين المركز والجهات. فالمجلس، منذ انطلاقه، كان مؤسسة بلا نفوذ سياسي فعلي، وهو ما انعكس في حضوره الضعيف في النقاش الوطني، الذي تفاقم بانشغاله بمحاولات التموقع في هندسة القرار والسلطة، رغم القيود الدستورية التي تكبله.

وهذا الوضع قاد في النهاية إلى أن نكون أمام غرفة تشريعية بمجلسيها تسعى لمواكبة نسق السلطة التنفيذية بلعب دور إداري فتخلت عن الفعل السياسي، وغابت عن إنتاج المبادرة، وعن خلق التوازن، وعن لعب دور الفاعل المستقل القادر على التأثير، وذلك لفقدانهما القدرة على الفعل، وعلى تحويل الصلاحيات الدستورية إلى نفوذ سياسي فعلي

والغياب هنا لا يقتصر على الوظيفة التشريعية بل هو اقرب لقاعدة ان تعلق الامر بالمؤسسات، ومنها مؤسسات السلطة التنفيذية التي غاب عنها الفعل السياسي، اذ يتضح أن رئاسة الجمهورية ورئاسة الحكومة صارتا أقرب إلى إدارة الشؤون اليومية وإجراءات التشغيل الروتينية، أكثر من كونهما فضاء للقرار السياسي الاستراتيجي أو الفعل المؤثر.

يضاف الى كل هذا عجز الأجسام السياسية خارج السلطة ، من احزاب داعمة او معارضة، عن فرض أجندتها أو خلق لحظة سياسية حقيقية، تحول معها الفعل السياسي الى ما يشبه الطقوس الشكلية التي لا تترجم إلى تغيير في السياسات أو موازين القوة. وفي ظل محدودية الفعل السياسي على كل المستويات: التنفيذية، التشريعية، والسياسية المجتمعية، نجد انفسنا امام أزمة أوسع قد لا نتفطن اليها، وهي في قدرتنا الجماعية على صناعة السياسة، فهذه الصناعة ليست ترف نظري، بل هي جوهر القدرة التي تتيح تحديد الأولويات الوطنية، وإعادة التوازن بين السلط والمراكز المختلفة، وإنتاج بدائل وحلول للتحديات المعقدة، فضلا عن منح القرارات الشرعية والمصداقية أمام المجتمع.

وغيابها ، اي صناعة السياسة يحول المؤسسات إلى أدوات إدارية روتينية يتقلص معها الفعل السياسي ليكون مجرد إجراءات شكلية، معها نكون امام فراغ يهددنا دولة ومجتمع

المشاركة في هذا المقال