Print this page

إعادة تشكيل الشرق الأوسط: إيران في قلب معادلة الضبط الجديدة

نشر الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على منصته

«تروث سوشيال» يوم أمس تدوينةً أعلن فيها أن الأسطول الحربي لبلاده، بقيادة حاملة الطائرات «أبراهام لينكولن» والمتمركز في بحر العرب والقريب من المجال الإيراني، على أتمّ الجاهزية والاستعداد لتنفيذ المهمة بسرعة وقوة إن لزم الأمر.

والمهمة التي يشير إليها هنا الرئيس الأمريكي هي هجوم عسكري على الأراضي الإيرانية، في حال فشلت المفاوضات ومساعي إدارته إلى فرض اتفاق مع النظام الإيراني يتعلق ببرنامجه النووي والصاروخي.

هذه التدوينة، التي تضاف إلى تصريحات سابقة وجّه فيها ترامب رسائل مباشرة إلى النظام الإيراني وهدّده بضربات عسكرية، تكشف أن منطقة الشرق الأوسط باتت أمام طور جديد من إعادة التشكيل، لا يقوم على إدارة الأزمات كما في السابق، بل على إعادة ضبط شاملة لموازين النفوذ.

إذ إن التطورات الميدانية أو التصريحات الصادرة عن الإدارتين الأمريكية والإيرانية، وإن كانت في ظاهرها عسكرية ورسائل متبادلة بين الدولتين، إلا أنها في عمقها سياسية–استراتيجية، تعكس إدراكًا متزايدًا لدى القوى الكبرى وفي المنطقة بأن التوازنات التي حكمت الشرق الأوسط خلال العقدين الأخيرين لم تعد صالحة للاستمرار، وأنه بات من الضروري إعادة ضبطها.

فما تلوّح به الإدارة الأمريكية تجاه إيران من تهديدات عسكرية يمكن تفاديها إن قبلت إيران باتفاق يتضمن تخليها عن برنامجها النووي وتقييد برنامجها الصاروخي، مقابل إعادة إدماجها في المنطقة والاقتصاد الدولي، ليس إلا إعلانًا صريحًا من قبل الإدارة بعزمها على إعادة ضبط توازنات الشرق الأوسط بما يخدم مصالحها، ويعيد بسط نفوذها، ويضمن تفوق حليفتها، الاحتلال الصهيوني، في المنطقة، ويُرسّخه كقوة إقليمية مطلقة.

فمن وجهة النظر الأمريكية الراهنة، لم تعد منطقة الشرق الأوسط منطقة «احتواء هادئ»، بل منطقة إعادة توزيع للنفوذ والقوى، بهدف ضمان التفوق الأمريكي والسيطرة على ممرات الطاقة ومصادرها، وهي خطوة تعتبرها إدارة ترامب ضرورية في سياق تعزيز أمنها ومحاصرة الصين.

وهنا تلوّح أمريكا بورقة التدخل العسكري ضد إيران لتكشف أن الأخيرة هي العقدة المركزية في عملية إعادة الضبط التي تسعى إلى فرضها على المنطقة والعالم. فإيران، في الحسابات الأمريكية اليوم، ليست مجرد قوة إقليمية تنافس حليفها الصهيوني، بل هي طرف يمتلك شبكة نفوذ ممتدة وقدرة على تعطيل مشاريع أمريكا في المنطقة واستهداف مصالحها، سواء بشكل مباشر أو عبر أذرعها الإقليمية.

وهذا أبرز ما يكشفه التحرك الأمريكي ضد إيران في هذه الفترة، وما سبقه من بحث عن ذرائع للتدخل العسكري والضغط على النظام خلال الأسابيع الفارطة. فواشنطن، التي تراجع حضورها العسكري المباشر في المنطقة، باتت تدرك أن تحقيق هدفها الاستراتيجي لم يعد ممكنًا، خاصة بعد «طوفان الأقصى» الذي جمّد قطار التطبيع وعطّل عملية إدماج الاحتلال في المنطقة، وهو ما كانت تراهن عليه لضمان حد أدنى من الاستقرار يمكنها من التمركز في المحيط الهادي ومحاصرة الصين.

واليوم تدرك أمريكا أن هذا لم يعد ممكنًا، وأنها، لضمان الاستقرار، مضطرة إلى إعادة تشكيل توازنات المنطقة بما يسمح بتفوق الاحتلال. وهذا هو المحرّك الأساسي لسعيها إلى فرض توازن جديد، سواء بالقوة العسكرية البحتة أو بأدوات أقل كلفة وأكثر رمزية، كاستعراض القوة بدل استخدامها، والضغط السياسي عبر التهديد.

والرهان الأمريكي هنا هو كبح الطموح الإقليمي الإيراني وإدماجه ضمن سقف يمكن التحكم فيه، سواء عبر القوة المادية أو الضغط السياسي. فالمهم للإدارة الأمريكية اليوم هو بسط إيقاعها في المنطقة ومنع أي تهديد لترتيباتها.

وهو ما تلقفته طهران، التي تنظر إلى الخطوات الأمريكية على أنها خطر وجودي ستواجهه برد عنيف وغير مسبوق، لكنها في الآن ذاته تسعى إلى المفاوضات وإبرام اتفاق، رغم إدراكها أن الاستهداف الأمريكي لها يندرج ضمن سياق إعادة تشكيل المنطقة، وهو ما يعني حتمية استهداف مجالها الحيوي.

فإيران هنا مهددة بفقدان دورها الإقليمي، سواء بضربة عسكرية—و إن كانت محدودة—أو باتفاق تقدّم فيه تنازلات سياسية لا تقف عند برنامجها النووي والصاروخي، بل تستهدف أيضًا قدرتها على لعب دور قوة إقليمية عبر فك ارتباطها بما تصفه بمحور المقاومة، خاصة في اليمن، حيث لا تزال قوات أنصار الله/الحوثيين أهم حليف لإيران وتمثل تحديًا أمنيًا في المنطقة.

هنا يتضح أن إيران تُفرض عليها إما الحرب أو الانكفاء التدريجي داخل حدودها، وهو ما يعني انهيار نظامها السياسي، الذي لن يصمد أمام عملية إعادة الضبط القسرية للمنطقة.

وهو ما قد يدفع بإيران إلى أن تكون أكثر عنفًا في ردها على أي استهداف عسكري، إذ تدرك أن ثمن الاستمرار في سياسة الصبر الاستراتيجي، في ظل التطورات الإقليمية، قد لا يقف عند إضعاف قدراتها العسكرية، بل يمتد إلى إعادة هندسة البيئة الأمنية للشرق الأوسط بما يكرّس التفوق العسكري والسياسي لدولة الاحتلال.

وهذا هو الرهان الفعلي الذي تفرضه أمريكا اليوم على المنطقة، وليس على إيران فقط. فكل القوى الإقليمية اليوم معنية، بأشكال مختلفة، بتداعيات السياسات الأمريكية. وربما يفسّر هذا لماذا اختارت السعودية أن تكون إدارتها للحظة الراهنة قائمة على عدم التورط في التمشي الأمريكي لإعادة تشكيل المشهد الإقليمي، بل وتعلن معارضته، إدراكًا منها أن سحق إيران ليس من مصلحتها، بل يصبّ في صالح الاحتلال، الذي تنظر إليه المملكة اليوم بوصفه خصمًا يسعى إلى محاصرتها وتطويقها.

وهو ما يعني أن الشرق الأوسط يتجه نحو مرحلة إعادة تشكيل جذرية

المشاركة في هذا المقال