Print this page

تراجع الطبوبي عن الاستقالة لا ينهي الازمة: المؤتمر محور الصراع داخل الاتحاد

استئناف نور الدين الطبوبي مهامه كامين عام

للاتحاد العام التونسي للشغل اول امس، معلنا بذلك تراجعه عن طلب الاستقالة الذي كان قد تقدم به في 23 ديسمبر الفارط، هو تطور لا يمكن قراءته من خارج عنوان واحد ما يزال قائما ومفتوحا، بل ومتضخما، وهو المؤتمر الاستثنائي.
فازمة الاتحاد الراهنة لم تبدا باعلان طلب الاستقالة، ولن تنتهي بسحبه. جذورها لا تعود الى لحظة انفعالية او خيار شخصي، بل الى صراع اندلع منذ فترة داخل المنظمة، لا يتعلق فقط بمن يتحمل مسؤولية ما ال اليه الامر داخل الاتحاد، او بخلاف بشان نهج قيادته او توازناته الداخلية، او بطبيعة علاقته بالسلطة والمجتمع، بل ان الازمة باتت اليوم بنيوية، وتتعلق باعادة هندسة الاتحاد: كيف تتم هذه العملية ومن يشرف عليها.
بهذا المعنى، لا يمثل التراجع عن طلب الاستقالة، وهي الخطوة التي اقدم عليها نور الدين الطبوبي مدفوعا بطلب قرابة اربعين عضوا من الهيئة الادارية، حلا للازمة، بل اجراء تقنيا لادارة الزمن النقابي وضبط الايقاع الى حين حلول موعد المؤتمر الاستثنائي، الذي يبدو انه تحول من استحقاق تنظيمي الى عقدة سياسية نقابية تختصر كل التناقضات المؤجلة داخل الاتحاد.
لذلك، قد يكون السؤال الجوهري ليس لماذا تقدم الطبوبي بطلب الاستقالة ولماذا تراجع عنه، بل لماذا اصبح المؤتمر نفسه لحظة تهديد للاتحاد بدل ان يكون الية لتجديده.
فالمؤتمر، ومنذ بداية ارتفاع الاصوات المطالبة بعقده وتحديد طبيعته الاستثنائية، القى بظلاله على هياكل الاتحاد التي دخلت في ازمة وفقدت توازنها وانسجامها، ليصبح التوازن داخل هذه الهياكل لا يقوم على وحدة سياسية او مشروع نقابي جامع، بل على توزيع هش للقوة، بين مكتب تنفيذي منقسم على ذاته، بلا رؤية موحدة ولا قدرة على فرض خط سياسي واضح، وهيئة ادارية تمتلك شرعية عددية لكنها تفتقر الى القرار الفعلي، وقيادة مركزية تتمثل في الامين العام فقدت قدرتها على الحسم، لكنها ما تزال عنصر توازن سلبي، ضروري فقط لمنع الانفجار.
وهو ما ادى في النهاية الى ان يكون التوازن الداخلي في الاتحاد توازن تعطيل، وقد تجلى ذلك في ما سرب من كواليس الهيئة الادارية المنعقدة في 5 ديسمبر الفارط، من انه تمت مقايضة اقرار الاضراب العام مقابل تثبيت موعد المؤتمر الاستثنائي. وقد تجلى ذلك ايضا في بيان الهيئة الذي اعلن عن تاريخ الاضراب الذي اجل بحكم الضرورة، وعن تكليف هيئة قانونية للنظر في تفاصيل عقد المؤتمر. وهو ما بين ان التوازنات داخل هياكل الاتحاد هشة جدا، فلا طرف يمكنه فرض مساره وخياراته، فكل طرف في هذا التوازن الهش يمسك بما يكفي لتعطيل الاخر، دون ان يمتلك ما يكفي للحسم.
في هذا السياق، جاء طلب الاستقالة، الذي لمح الى انه متصل بعدم احترام اتفاق تثبيت المؤتمر الاستثنائي، ليكون اختبارا للهياكل، التي تعمق انقسامها اكثر، واعادت ترسيخ توازنها الهش خشية من الفراغ وما يمكن ان يخلفه. فمشهد عودة الطبوبي الى بطحاء محمد علي محاطا بعشرات من اعضاء الهيئة الادارية لم يكن مشهدا يعكس التفافا حقيقيا حول القيادة، بقدر ما كان مشهدا يكشف عن الخوف من الفراغ. فالهيئة الادارية التي طالب جزء منها الطبوبي بالتراجع لم تفعل ذلك لانها حسمت خيارها السياسي او النقابي، بل لانها ادركت ان المؤتمر الاستثنائي، في ظل الصراعات الحالية، قد يتحول الى محطة تفكك شامل لا الى اعادة بناء.
وهنا تتجلى المفارقة المركزية للازمة، فقيادة الاتحاد، والقصد امينه العام وبقية المكتب التنفيذي، لم تعد قوية بما يكفي لقيادة المؤتمر، ايا كانت طبيعته، استثنائية او عادية، لكنها ما تزال قوية بما يكفي لمنع غيرها من قيادته. وهنا يتضح ان الصراع بات صلب المكتب التنفيذي، الذي يشهد اعادة رسم توازنات بين الامين العام من جهة، وتسعة من اعضاء المكتب التنفيذي من جهة اخرى، امضوا على بيان مشترك عبروا فيه عن مواقفهم.
صراع لا يبدو ان نهايته تقترب، والاكيد ان تراجع الطبوبي عن طلب الاستقالة لا يعلن نهايته ولا يعلن نهاية الازمة، بقدر ما يعلن انها مستمرة، لكن ادوات ادارتها قد تتغير، والتوازنات قد يعاد ترتيبها، في ظل اسئلة تفرض نفسها على الاتحاد وبيته الداخلي، الذي يعيش اليوم على وقع اجماع سلبي على تاجيل الانفجار، لا على توافق حقيقي حول حل الازمة.
وهو ما يبين ان عودة الطبوبي لا تلغي الازمة التي ظلت قائمة بذات العنوان والاسم: المؤتمر، الذي يبدو ان الذهاب اليه دون حسم سياسي واضح سيكرس التوازنات الهشة ذاتها، ويعيد انتاج الازمة بادوات جديدة، في حين ان تاجيله يزيد من تعفن الازمة داخل الهياكل.
مما يعني انه طالما لم يحسم الصراع الداخلي، فان كل خطوة اليوم لن تكون سوى اعادة توزيع للوقت داخل ازمة مفتوحة على كل الاحتمالات.

 

المشاركة في هذا المقال