Print this page

14 جانفي من صراع الذاكرة إلى أفق المستقبل: محاولة للخروج من مأزق سرديات الثورة

ليس من النادر أن يخوض مفكرو تونس في

الشأن السياسي العام، ولكن قلّة هم من تمكنوا من أخذ مسافة وتجنبوا الغرق في صراعات الحاضر وخلافات الماضي، لطرح سؤال: ماذا بشأن المستقبل؟ وكيف نؤمنه؟ ومنهم البروفيسور محمد محجوب، أستاذ الفلسفة بالجامعة التونسية، الذي ألقى بسؤاله على المشهد السياسي الراهن المتميز باحتدام السجال والجدل حول قضايا تهم الذاكرة الجماعية.

إذ تشهد تونس منذ الأيام القليلة الماضية سجالات محتدمة حول الذاكرة الجماعية، والثورة، وتمثل السابق وتقييمه، وهو سجال لا يمكن اختزاله بوصفه نقاشا فكريا أو ترفا تأويليا ينشغل به أهل الرأي والسياسة، بل هو أيضا مؤشر عن عمق ارتباك علاقتنا بتاريخنا، وعجزنا عن بناء ذاكرة جماعية وسردية مشتركة حول أهم تجاربنا السياسية والاجتماعية الجماعية، ومن بينها الثورة التي لم تتوحد سردية التونسيين بشأنها، ولم يتمكنوا من الانتقال بها من حدث صادم إلى مستقبل مشترك.

معضلة يدعو الدكتور محمد محجوب الفاعلين السياسيين إلى الانتباه لها في نصوصه، خاصة القصيرة منها، التي تنشر كتدوينات على حسابه بمنصة فايسبوك، والتي تعرض على التونسيين، وخاصة منهم الفاعلين السياسيين، خيار «بناء المستقبل» عبر استشراف مشترك طالما تعذر وضع أرضية مشتركة للذاكرة التي يراها اليوم مثقلة بالجراح والآلام، وليست جاهزة للتهدئة. ما يلقي به محجوب للشارع السياسي هو دعوة إلى التفكير في المستقبل، لا فقط لضمانه، بل لتحقيق شرط أساسي لتهدئة الذاكرة الجماعية وصياغة سردية مشتركة، تنتقل بالماضي ـ أي الثورة ـ من مصدر دائم للصراع إلى مكتسب جماعي وذاكرة ممكنة. لأن شرط الذاكرة ليس أن تكون مكبلة بنسخ الماضي، وإنما أن لا تعطل الحياة والمستقبل، فالتفكير في المستقبل هو الذي يبني الماضي كخزان إمكانيات للفعل.وهنا يشدد محجوب على انه لنا كامل الوقت لتدقيق الماضي ولكن ينبغي الكف عن تعظيمه حتى لا يصبح معطلا

ما يقدمه محجوب هو محاولة لرسم طريق مختلف لإدارة الخلاف بشأن قضايا شائكة لم يحسم أمرها في الذاكرة الجماعية للتونسيين، لتقسمهم وتكون بيد جزء منهم سلاحا سياسيا يشهر عند الحاجة، وسردية يعاد شحنها بالغضب، لتطال الثورة وتاريخ الاحتفاء بها، والموقف من النظم السابقة.

طريق يفتحه محجوب، ومعه يفتح المجال لسؤال لم نجب عنه منذ 2011، في علاقة بالثورة: هل نريد تاريخا نفهمه، أم سرديات يسعى كل طرف لفرضها؟ والإجابة هنا تقتضي الانتباه إلى أن التاريخ يفترض مسافة، وتراكما، وقدرا من البرود الضروري للفهم، أما السردية فهي لا تقتضي ذلك، فهي تبنى في قلب الصراع، وتصاغ على عجل، محمولة بالانفعال والمصلحة والرهان السياسي الآني.

وهذا يتجلى في الخلاف بشأن تاريخ الثورة، هل هو السابع عشر من ديسمبر أو الرابع عشر من جانفي، وأيضا في طريقة تمثل رأس النظام السابق زين العابدين بن علي. وهو ما يكشف جوهر الأزمة التي يواجهها الفاعلون السياسيون اليوم، فهم لا يختلفون فقط حول الوقائع، بل حول وظيفة الذاكرة ذاتها التي ينظرون إليها كأداة اصطفاف.

كل طرف سياسي يسعى إلى فرض سرديته بوصفها الحقيقة الكاملة، لا باعتبارها رواية جزئية داخل تاريخ معقد. وهكذا يتحول الخلاف التاريخي إلى امتداد للصراع السياسي، وتصبح الثورة ميدانا مفتوحا لإعادة توزيع الشرعيات، لا لبناء معنى مشترك.

والإشكال هنا ليست في تعدد السرديات. فالمجتمعات الحية لا تملك سردا واحدا، وهذا أمر صحي. الإشكال أن شروط توحيد السرد، أو على الأقل جعله قابلا للتعايش، لم تتوفر بعد. فلا يوجد حد أدنى من التوافق حول معنى الثورة، ولا حول ما نريد الحفاظ عليه منها، ولا حول ما نريد تجاوزه. الأهم من ذلك، لا يوجد أفق مستقبلي مشترك يجبر الفاعلين على تخفيف حدة الذاكرة، لأن المستقبل نفسه محل نزاع، أو مؤجل، أو مستعمل هو الآخر كسلاح.

هنا تصبح الدعوة إلى الاستشراف المشترك والتفكير في المستقبل هي الطريق التي يعرضها محجوب على جزء من الفاعلين السياسيين، كبديل عن طريق بول ريكور الذي لا يمكن إسقاطه على الحالة التونسية. فطريق ريكور «إعادة سرد النفس» كتب عن مجتمعات خرجت من كوارث كبرى، ونجحت، بعد زمن طويل، في بناء حد أدنى من الدولة والاستقرار، ما سمح للذاكرة الجريحة بأن تبحث عن تهدئة. أما في تونس، فنحن أمام دولة لم تحسم بعد طبيعة نظامها، ولا شكل عقدها الاجتماعي، ولا حتى معنى انتقالها.

وهو ما يجعل من المراهنة على إعادة السرد من أجل صياغة «هوية سردية»، مخاطرة بأن تشتد الصراعات، وأن تصبح السرد نفسه أداة اصطفاف، فمن لا ينتمي إلى سرديتي، لا مكان له في الجماعة والحاضر ولا في المستقبل. ليقع ترسيخ واقع مفاده أننا إزاء ثورة/ذاكرة بلا أفق. إذ تستدعى الثورة لا لكي نفهم لماذا وقعت وكيف يمكن تحصين مكتسباتها، بل لكي تستعمل وقودا لمعارك سياسية في الزمن الحاضر. ويستحضر الاستبداد لا لكي نمنع عودته فعليا، بل لكي يستثمر رمزيا في تصفية الحسابات، سواء من قبل السلطة تجاه خصومها، أو بين تيارات المعارضة نفسها التي تتصارع اليوم فيما بينها حول أية سردية هي الحقيقة.

وهذا هو الخطر الذي يهدد المجتمع التونسي برمته. ليس النسيان، بل العجز عن ترتيب الماضي، ليتحول إلى سلاح دائم يمدد الصراع، الذي يتغذى من استعمال الفاعلين السياسيين للثورة عوضا عن فهمها، ومن توظيف الذاكرة بدل مساءلتها، ومن الانشغال بالصراع على الماضي لا بناء المستقبل.

وهنا تكمن أهمية ما يعرضه محجوب من طرح بديل، يطالب التيارات السياسية بالأساس بالتحول إلى البحث عن أفق مشترك للمستقبل، للقطع مع الحلقة المفرغة التي وقعوا فيها، وهي الاختلاف حول الأمس. دعوة لبناء مستقبل، لا فقط من أجل الغد، بل لمعالجة جروح الذاكرة الجماعية

المشاركة في هذا المقال