للتأمين على المرض والمتعاقدين معه، فهي قد كانت معروفة ومتوقعة منذ أشهر، ولم تكن معالمها خافية ، مما يجعل هذا الانبهار بما هو بديهي مؤشرا صريح على خلل ما في قراءة العلامات المبكرة لما هو قادم.
ولكن الاشد هو ما يدل عليه الاستغراب من الأمور المتوقعة من وجود سعي لاختزال الأمر في لحظته الراهنة والتعامل معها على أنها ما يستحق الانتباه، دون مراعاة كل ما سبقها من مؤشرات تدل صراحة على ما هو قادم، والمعضلة التي يجب الانتباه إليها اليوم. هي أزمة الصندوق الوطني للتأمين على المرض في تونس ليست حدثًا طارئا، بل هي نتيجة تراكم اختلالات مالية هيكلية في النظام الاجتماعي بأكمله، كان من الممكن توقعها منذ أشهر.
هنا يصبح الانبهار بما حدث مرآة تعكس قصورا في قراءة المؤشرات وخطر اختزال الأزمة في لحظتها الراهنة دون ربطها بالسياق الأوسع للصناديق الاجتماعية. أي أن الأمر يقتصر على النظر إلى ما ظهر من خلاف بين صندوق التأمين على المرض ومزودي الخدمات، والبحث عن معالجته بتوفير سيولة طارئة، دون البحث عن معالجة جذرية للأزمة.
والمفزع اليوم أن يتم تقديم الأزمة على أنها مجرد نزاع مالي بين «الكنام» ومقدمي الخدمات من صيادلة وأطباء ومصحات، بينما الحقيقة أعمق. فالأزمة هي امتداد لاختلالات الصندوقين الآخرين: الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي (CNSS) والصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية (CNRPS)، الذين نقلت اختلالاتهم المالية إلى «الكنام» عبر عدم تحويل المساهمات المقتطعة من المنخرطين، ما أثر مباشرة على قدرة الصندوق على الوفاء بالتزاماته.
فعلى الورق، يبدو الصندوق الوطني للتأمين على المرض CNAM بخير محاسبيا، إذ يسجل فائضًا سنويا بمتوسط 700 مليون دينار، لكنه في الواقع يعاني من أزمة سيولة حادة تعيق قدرته على الوفاء بالتزاماته تجاه مزوّدي الخدمات الصحية في القطاع الخاص، ومرد هذا النقص في السيولة هو عدم انتظام تحويل مساهمات الصناديق الاجتماعية له. أي أن الصندوق هنا ضحية للعجز الهيكلي لصناديق التقاعد.
فالصندوق الوطني للضمان الاجتماعي CNSS يسجل عجزا ماليًا متصاعدا، بلغ نحو 950 مليون دينار في 2023، وارتفع إلى أكثر من 1,200 مليون دينار في 2024، مع توقع أن يستمر هذا المنحى التصاعدي في السنة الفارطة، نتيجة ارتفاع كلفة الجرايات والتعويضات مقابل محدودية الموارد وضعف استخلاص الاشتراكات.
أما الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية CNRPS، الذي يؤمن جرايات أعوان القطاع العمومي، فيواجه بدوره عجزا هيكليا مماثلا، بلغ نحو 600 مليون دينار في 2023، وارتفع إلى 700 مليون دينار في 2024، مع توقعات بتفاقم العجز السنة الفارطة بسبب زيادة عدد المنتفعين مقابل محدودية الموارد الذاتية.
وهذا الاختلال أدى إلى تراكم ملفت لديون الصندوقين لدى الكنام، إذ تشير المعطيات الرسمية إلى أن ديون CNSS وCNRPS تجاه CNAM بلغت حوالي 4 مليارات دينار، وهو العامل الرئيس لاختناق السيولة، رغم توازن الحسابات على مستوى الإيرادات والنفقات. هذا يوضح أن الأزمة ليست مجرد مسألة مالية عابرة، بل هي أزمة هيكلية متشابكة بين الصناديق الاجتماعية، تتطلب إصلاحا عاجلًا وشاملاً لضمان استقرار نظام الحماية الاجتماعية في تونس.
وإلا فنخاطر بأن تصبح أزمة الصناديق الاجتماعية أشمل وأكثر تعقيدا في ظل ترابط المنظومة، التي باتت تحتاج إلى تفكيك وإعادة بناء تهدف إلى معالجة شاملة تقوم على إصلاحات مالية وهيكلية. وهنا لا بد من الانتباه إلى منشأة الأزمة ومحركها الأساسي، وهو اختلال التوازن المالي لصناديق التقاعد، بما يجعله يكافح لضمان صرف الجرايات رغم كل الإصلاحات الظرفية التي هدفت لتحسين موارد الصندوق، سواء برفع سن التقاعد أو نسبة المساهمة أو فرض ضريبة تضامنية، وغيرها.
مما يكشف أن الأزمة في صناديق التقاعد، في جوهرها، هي اختلال لما يعرف بالأساس الاكتواري، أي التوازن الذي يفترض أن يقوم بين عدد المساهمين في الصناديق وعدد المنتفعين بالجرايات. فعند إرساء منظومات التقاعد مع دولة الاستقلال، بنيت الحسابات على فرضية أن عدداً كبيراً من الأجراء النشطين سيموّل عددا أقل من المتقاعدين، وأن مدة صرف الجراية ستكون محدودة زمنيا.
غير أن هذا التوازن تغيّر جذريا لعوامل موضوعية، منها ارتفاع عدد المتقاعدين بشكل متسارع نتيجة تحسّن أمد الحياة واعتماد التقاعد المبكر في فترات متعددة في تاريخ البلاد، مما أدى إلى أن يصبح الصندوق مطالبا بدفع جرايات أكثر لفترات أطول بكثير مما كان مخططا له عند وضع أسس توازنه المالي المستدام القائم على التضامن الجيلي.
هذا المبدأ القائل بأن كل جيل يساهم في تمويل جرايات تقاعد الأجيال السابقة له، اختل نظرا لتقلص عدد المساهمين الجدد في الصناديق بسبب البطالة وتوسع الاقتصاد غير المنظّم، وهو ما نتج عنه تراجع عدد من يدفعون الاشتراكات مقارنة بعدد من يتقاضون الجرايات. ويظهر هذا الخلل بوضوح في تراجع ما يُعرف بـ»نسبة الإعالة»، إذ كان كل متقاعد يموّل سابقا من أربعة إلى خمسة نشطين، بينما لا يتجاوز هذا العدد اليوم عاملين اثنين يمولون متقاعدًا وحيدا. وهذا يجعل العجز المالي آليا ودائما، حتى في حال حسن التصرف في الموارد.
وهو ما يوضح أن أزمة صناديق التقاعد لا يمكن اختزالها في الفساد أو سوء التصرف أو السياسات العمومية السابقة، فهي أزمة هيكلية بالأساس تنطلق من اختلال الفرضيات الأساسية التي بني عليها نظام الحماية الاجتماعي التونسي. وببساطة، نموذج تمويل صناديق التقاعد يعتمد على فرضية وجود عدد كبير من العاملين المساهمين مقابل عدد أقل بكثير من المتقاعدين، ومستوى معقول من الأجور وطول عمر خدمة محدود بعد التقاعد، وهي فرضية لم تعد صالحة اليوم.
الشجاعة اليوم هي الاقرار بهذا وننطلق في البحث عن الاجابات المناسبة