Print this page

من يوقف هذه الإبادة ؟!

من كان - في هذا العالم الفسيح - تخامره بعض الشكوك في المخطط الإبادي الصهيوني،

لم يعد بامكانه اليوم أن يتجاهل هذه الحقيقة.. فنحن لسنا ازاء مشروع أو أفكار بل مخطط إبادي يتقدم بسرعة فائقة أمام أنظار كل البشرية بمساهمة مباشرة من دول وتواطئ من أخرى وصمت الأغلبية وادانة، صادقة أحيانا، وبروتوكولية في الغالب الأعم..

لقد تجاوز عدد الشهداء الخمسين ألفا هذا دون اعتبار من هم تحت الأنقاض ومن سيلقون حتفهم في الساعات والأيام القليلة القادمة..

50.000 قتيل في سنة ونصف في شعب يعد اليوم حوالي 15 مليون نسمة نصفهم في الشتات (7،6 مليون) وأكثر من 10 ٪ منهم داخل حدود 1948 أي ما يسمون بعرب إسرائيل (1.8 مليون) و5. 4 مليون نسمة بين القطاع والضفة.. لو احتسبنا هذا الرقم على كل المنحدرين من فلسطين التاريخية لكان ذلك بمثابة حرب تذهب بخمسة ملايين نسمة في بلاد كالهند والصين وحوالي 250 مليون نسمة باحتساب كامل سكان المعمورة!!

والمخطط الإبادي الذي نرى تنفيذه أمام أعيننا لا يقوم على تقتيل أهالي غزة فقط بل على جعل الحياة فيها مستحيلة تماما والتشجيع على التهجير عبر الوكالة الإسرائيلية المبعوثة للغرض وصنع نفس الأمر - ولو بمقادير أخف - في الضفة مع توسيع دائرة الاستيطان وافتكاك الأراضي وحصر ما تبقى من الفلسطينين في بانتوستات معزولة كما هو حاصل اليوم للسكان الأصليين لأمريكا الشمالية..

نحن أمام استعمار ابادي احلالي عنصري تماما كما كان الحال في «العالم الجديد»..

من يمكنه إيقاف هذه الإبادة الإحلالية؟

في الحقيقة دول كثيرة في العالم اليوم يمكنها أن تضع حدا لهذا المخطط أو على الأقل أن تجعل تواصله مكلفا جدا للدولة العبرية. وكل دولة أو مجموعة دول تعزف عن لعب هذا الدور الإنقاذي سيلحق العار بها اليوم وغدا..

أولى هذه الدول دون منازع، هذه الدول العربية من المحيط إلى الخليج.. ليس المطلوب من هذه الدول دخول حرب ضد الكيان الغاصب، بل العمل بكل الوسائل لوقف هذه الابادة بداية بقطع كل العلاقات الديبلوماسية والاستخباراتية والتجارية التي تربط بعض الدول العربية مع « إسرائيل» وثانيا باستعمال كل وسائل الضغط على الدول الحليفة للكيان الصهيوني لكبح جماح تل أبيب عبر المقاطعة أو سلاح النفط..ما كان ممكنا سنة 1974 (رفض تصدير النفط للدول الحليفة لإسرائيل) ممكن وزيادة اليوم لأن الوضع أخطر بكثير ولكن كبريات الدول العربية لا تريد اليوم ذلك وكأن إبادة شعب من شعوبها مسألة لا تعنيها..

ثاني هذه الدول هي الدول الغربية الكبرى بدءا بالولايات المتحدة ثم انقلترا وفرنسا وألمانيا وإيطاليا وإسبانيا وبولونيا والكندا واستراليا..

تملك هذه الدول الايقاف الفوري لهذه الابادة لو أرادت ولكنها كلها ترفض الادانة العملية والفعلية لهذه الجريمة النكراء، هذا إن لم تكن من داعميها بطرق شتى، فحتى فكرة المقاطعة الاقتصادية لا تخطر على بال أحد..

«إسرائيل» لا تملك القدرة على مواجهة كبريات الدول الغربية، لكن هذه الأخيرة تعتبر أن الدولة العبرية تمثل الطليعة المتقدمة للحضارة الغربية في هذا «الشرق» الذي تأبى فيه بعض القوى الطاعة والانصياع..

المسؤولية التاريخية للبلدان العربية والغربية في استمرار تنفيذ مخطط الابادة.. لم تعد خافية على أحد، وهذا كما قلنا عار سيلحق بها كلها لأنها لم تفعل شيئا يذكر لإنقاذ شعب من محرقة يشاهدها العالم على المباشر اليوم..

وهذا لا يعفي كبريات الدول غير الغربية من مسؤوليتها الإنسانية والسياسية إزاء ما يحدث..

وحدها افريقيا الجنوبية حملت القضية بعمق وبصدق ولكن أين الصين؟ أين الهند؟ أين اليابان؟ أين البرازيل؟ أين روسيا؟ كل هذه الدول لازمت الصمت أو الادانة الباهتة ولم تحرك أدواتها الهائلة التجارية والسياسية وحتى العسكرية لإيقاف هذا المخطط..

لا يمكن أن يقنعنا أحد أن «دولة» بحجم «إسرائيل» بإمكانها الصمود يوما واحد أمام رفض عالمي قوي. ومواصلتها الاجرامية في مخططها الإبادي دليل فاضح على أنها لا تجد أمامها أي صنف من أصناف الردع الجدي..

لماذا تتواطأ الدول الكبرى في العالم - فعليا أو موضوعيا - على عدم الاعتراض على حرب الابادة هذه؟ ببساطة لأن حساباتها الأنانية تملي عليها ذلك مع خلفية ثقافية قائمة على استعلاء عنصري عند البعض أو الخوف من خوض معركة غير مربحة عند البعض الآخر أو التمحور حول الذات ومصالحها الاستراتيجية عند البقية..

قال أحمد شوقي

«إنما الأمم الأخلاق ما بقيت..»

نحن نعيش اليوم في عالم بلا أخلاق بل بلا مساحيق أخلاقية.. بل بلا حياء..

لكن أقوياء اليوم ينسون دائما أن موازين القوى متحولة باستمرار وأن يوم يحتاجون فيه الدعم والتضامن والاسناد لن يجدوا غير ما زرعوه من ظلم وطغيان وأحقاد.

 

المشاركة في هذا المقال