Print this page

دون اعتبار خسائر الصناديق الاجتماعية: 6.5 مليار دينار قيمة الخسائر المتراكمة للمنشآت العمومية تطور كتلة الأجور بـ 55.3 % خلال ست سنوات

ملف المؤسسات العمومية هو من بين الملفات المعقدة والثقيلة الموجودة على طاولة الحكومة،

ملف أسال الكثير من الحبر ومثّل نقطة جدل وخلاف كبير في الساحة بين الحكومة من جهة التي تعكف على دراسته منذ أشهر ورسمت إستراتيجية متعددة الجوانب قائمة على 4 محاور رئيسية، الإصلاحات على مستوى الحوكمة العامة والإصلاحات على مستوى الحوكمة الداخلية والإصلاحات على مستوى الموارد البشرية والحوار الاجتماعي والإصلاحات على المستوى المالي، ولكن تحسين المردودية تتطلب تدخلا على مستوى رأس المال بالنسبة للعديد منها وهو ما يمثل تحديا للحكومة في الوقت الراهن ولاسيما في مسألة إيجاد مصدر لتمويل إعادة الهيكلة، وبين الاتحاد العام التونسي للشغل من جهة أخرى الذي ما فتئ أمينه العام نور الدين الطبوبي في كل اجتماع أو تصريح إعلامي له يصعد من موقفه ويشدد على أن التفويت في المؤسسات العمومية ألف خط أحمر، ليبقى الملف معلقا في انتظار الاتفاق على الانطلاق في دراسة وضعية هذه المؤسسات حالة بحالة.

سجلت المنشات العمومية خلال سنة 2015 تدهورا في مستوى مؤشرات نتيجة الاستغلال والنتيجة الصافية والمردودية ويرجع ذلك أساسا إلى تعطل الإنتاج نتيجة الإضرابات والاعتصامات ببعض المنشات الهامة والذي تزامن مع تطور هام لحجم الأجور، وقد بلغت النتيجة الصافية المجمعة للمنشات العمومية 1116.5 مليون دينار سلبي سنة 2016 مقابل 1176.4 مليون دينار ايجابي سنة 2010 أي بتراجع قدره 2292.9 مليون دينار، وقد بلغت الخسائر المتراكمة 6524.4 مليون دينار سنة 2016 أي بزيادة بين سنتي 2010 و2016 بما قدره 4232.5 مليون دينار وبنسبة 184.5 % دون اعتبار الخسائر المتراكمة للصناديق الاجتماعية.

4 آلاف مليون دينار كتلة الأجور سنة 2016
حجم الأجور بالمنشات العمومية عرف بدوره تطورا من 2579.9 مليون دينار سنة 2010 إلى 4005.5 مليون دينار سنة 2016 أي بزيادة قدرها 1425.8 مليون دينار وبنسبة 55.3 %. مع العلم وأنه بالرغم من المؤشرات السلبية لعدة منشات عمومية فإن هذه الوضعية لا يمكن أن تحجب النتائج الايجابية التي سجلتها بعض المنشات أو التي حافظت على توازناتها المالية خاصة تلك التي تنشط في قطاع المحروقات على غرار المؤسسة التونسية للأنشطة البترولية وشركة نقل المحروقات بواسطة الأنابيب والشركة التونسية لنقل البترول عبر الصحراء.
يعتمد تشخيص الوضعية المالية للمنشآت العمومية على تطور مؤشرات تتعلق بالمردودية والنشاط (دعم الدولة والأجور والاستثمارات) والنتائج الجملية (المداخيل والقيمة المضافة ونتيجة الاستغلال والنتيجة الصافية). وتستند عملية التشخيص إلى معطيات محاسبية تقتصر على الفترة الممتدة من سنة 2010 إلى سنة 2015، وتثبت النتائج التي تحصلت عليها «المغرب» خلال تلك الفترة أن العديد من المنشات العمومية باتت تمثل عبئا على الدولة وتستوجب بالضرورة التعجيل في عملية الإصلاح والإنقاذ، ذلك أن النتيجة الصافية لـ91 منشأة عمومية كانت سلبية سنة 2015 بالرغم من أن 49 منشأة منها سجلت إما نتائج ايجابية أو استقرارا، حيث تجاوز 1 مليار دينار.

عجز سلبي تجاوز مليار دينار سنة 2015 فقط
بلغت النتيجة الصافية للمنشآت العمومية 1099.9 مليون دينار سلبي سنة 2015 مقابل 173.6 مليون دينار مرابيح سنة 2014، أرقام تخص 91 منشأة عمومية، وأغلب المنشآت العمومية التي سجلت خسائر مالية خلال سنة 2015 هي بالأساس الصندوق الوطني للتقاعد والحيطة الاجتماعية بعجز مالي بلغ 345.8 مليون دينار ثمّ الصندوق الوطني للضمان الاجتماعي بعجز مالي قدر بـ 440.6 مليون دينار، أما شركة اتصالات تونس فقد بلغ عجزها 137.8 مليون دينار، وبالنسبة المجمع الكيميائي التونسي فقد بلغ العجز المالي فيه 132.1 مليون دينار، تليه شركة نقل تونس بـ131.9 مليون دينار ثمّ شركة فسفاط قفصة بـ108.4 مليون دينار، فالشركة الوطنية للسكك الحديدية التونسية بـحوالي 91 مليون دينار، هذه أبرز المنشات العمومية التي تعاني أكبر صعوبات مالية والأرقام قد سجلت المزيد من الارتفاع مؤخرا باعتبار أن هذه الأرقام تخص سنة 2015. ويمكن تقسيم المنشآت العمومية الوطنية إلى أصناف وذلك بالرجوع إلى مختلف النماذج الاقتصادية التي تفرق بين النشاط في قطاع تنافسي أو قطاع غير تنافسي حكرا للدولة أو حتى إسداء خدمات في شكل مرفق عام.

دراسة حالة بحالة
الحكومة تدرس وضعية المؤسسات والمنشات العمومية حالة بحالة وكل الحلول مطروحة للنقاش بين إعادة الهيكلة أو التفويت الكلي أو الجزئي لاسيما وأن دعم الدولة لها قد بلغ مستويات قياسية خلال سنوات 2013 و2014 و2015 على الرغم من محدودية مواردها، لكن تمشي الخوصصة قد رفضه بشدة اتحاد الشغل وفي المقابل ووفق تصريح سابق للوزير المكلف بالإصلاحات الكبرى توفيق الراجحي لـ»المغرب» فإن عملية الخوصصة ليست جديدة وهو تمشي تتبعه البلاد منذ سنوات ولكن رغم ذلك فإن ملف المؤسسات مازال قيد النقاش على أن يتم الاتفاق على خطة مشتركة في الثلاث سنوات القادمة، 2018 و2019 و2020 أي على 3 دفعات، برنامج يخص 102 مؤسسة عمومية وسيتم في هذا الصدد الانطلاق بالمؤسسات التي تحظى بالأولوية والحكومة ستعطي هذه الأولوية بالخصوص لقطاع النقل، ذلك أن شركات النقل تعاني من صعوبات مالية كبرى باستثناء شركة الملاحة، مشددا على أن هذه المؤسسات تستدعي بالضرورة وبصفة عاجلة إعادة الهيكلة إما من خلال تحسين الحوكمة عبر تغيير قانون89 /9 أو من خلال الحوار الاجتماعي أو عبر دعم رأسمال هذه المؤسسات أو عبر إيجاد ما يسمى بعقود أهداف وعقود برامج.

مبدأ التعويل على الذات
الإصلاحات المقترحة على المستوى المالي حسب الإستراتيجية المرسومة من قبل الحكومة تتمثل في تقديم مخطط عمل استراتيجي من قبل المؤسسات العمومية التي تنشط في المجال التنافسي وإعداد خطة تمويل من أجل تحقيق التوازنات في أجل أقصاه 2018 من قبل المؤسسات العمومية مع ربط الدعم المالي بمفهوم المرفق العام وإرساء مبدأ التعويل على الذات بحيث يصبح الالتجاء إلى الدعم استثنائيا مع التأكيد على مبدإ التدخل من أعلى الموازنة إلى جانب إحداث إطار للتمويل تحت تسمية صندوق وطني للاسترجاع يشجع إرساء الشراكة بين القطاع العام والخاص في مجال التمويل يساعد على رسملة المؤسسات العمومية والتخفيف من المساهمة المباشرة للدولة في تمويل عمليات هيكلة المؤسسات العمومية الناشطة في القطاع التنافسي ويمكن تقدير مبلغ الصندوق بنحو 1000 مليون دينار من قبل الخـواص، 50 %، والدولة عن طريق صندوق الودائع والأمانات، 50 %. أما بالنسبة لهيكلة المؤسسات العمومية الناشطة في مجالات المرفق العمومي والقطاع الاحتكاري فهي من مشمولات الدولة على أن تقترح المؤسسة العمومية برنامجا للتطوير الاستراتيجي قابلا للتنفيذ ويبقى أعلى الموازنة من مشمولات الدولة فقط مع الإبقاء على إمكانية الدعم المباشر مع ضرورة ضبط برنامج تتم المصادقة عليه مسبقا ويتضمن أهدافا محددة مع بيان تأثيراتها الاجتماعية والبيئية.

المشاركة في هذا المقال