Print this page

في الفعالية الثقافية : "المدينة العتيقة بين الألوان والأبيات " حينما تنطق الحجارة شعرا وتزهر المدينة ألوانا

في قلب تونس العتيقة، حيث للأزقة حكايات لا تنتهي

وللجدران ذاكرة تستنشق عبق القرون، انتصب فضاء "سانت كروا" كشاهد على عرس ثقافي استثنائي. هناك، حيث يناجي المكان أسرار التاريخ، ويغفو صمت المدينة على وسائد الحضارة النائمة بين الجوامع العتيقة والأرصفة العريقة، انفجرت قريحة الإبداع لتعلن عن تظاهرة "المدينة العتيقة بين الألوان والأبيات"، في دورتها الخامسة التي حملت اسم قامة تونسية كبيرة هي الشاعرة القديرة فضيلة الشابي.

نبض الذاكرة وتوهج الحضور

لم تكن هذه الدورة مجرد تظاهرة، بل كانت معراجا شعريا، حيث حضرت الشاعرة فضيلة الشابي، بوقارها الذي يختزل مسيرة من الضوء والتمرد الجميل. حضورها كان أشبه بقصيدة حية، تذكرنا بأن الشعر ليس مجرد كلمات، بل هو نضال وجودي يسكن المادة والفراغ، ويحفر في الذاكرة التونسية أثرا لا يمحوه الزمن.

أصوات ترسم الضوء

على منصة الإبداع، وفي جو مفعم بالدهشة، تلاقت حناجر الشعراء لتحاكي صمت المدينة ببوح صادح. ارتفعت أصوات مريم ذياب، سمير العبدلي، روعة قاسم، المكي الهمامي، سلوى الرابحي، وأحمد شاكر بن ضية، فكانت قصائدهم كخيوط الشمس التي تتسلل من نوافذ المدينة، تمنح الأرصفة معنى جديدا، وترسم للسائرين في دروب الوطن خارطة من ضوء. وفي موازاة الحرف، كان الفن التشكيلي لغة موازية، حيث عكست لوحات الفنانين سيميائية العمارة، فكانت كل لوحة تقول لنا: "من نكون، وكيف نحس، وإلى أين يربطنا هذا التاريخ المتجذر فينا".

ولأن الموسيقى هي لغة الجمال العابرة للحدود، جاءت أنغام الفنان الأستاذ السوري علي حسين، برفقة عزف عزيز، لتمسح على أرواح الحاضرين ببهجة طربية.

بسمة مرواني: ضمير الفينيق

لا يمكن الحديث عن هذا التوهج دون الإشارة إلى "ضمير المتكلم" في هذا المنتدى، الشاعرة بسمة مرواني. لقد كانت بسمة، رئيسة منتدى الفينيق للمبدعين، شعلة لا تنطفئ، و"زئبقاً" يتحرك في كل الزوايا بحكمة الإداري وشغف المبدع. بفضل رؤيتها، تحول المنتدى إلى جسر حقيقي يربط الشعراء بالفنانين، ويجعل من العمل الثقافي فعلا تراكميا يتجاوز التنظيم العادي ليبلغ مصاف المشاريع الثقافية الكبرى التي تثري المشهد في تونس.

لقد نجحت بسمة مرواني، من خلال إصرارها على ثراء البرنامج وتنوعه، في جعل "الفينيق" ليس مجرد اسم، بل حقيقة متجددة تنهض من رماد الروتين لتنشر الجمال، ولتثبت أن المدينة العتيقة ستظل دائما الملهم الأول لكل قلب ينبض إبداعا. تلك كانت أيام الفينيق، حيث تصالح الشعر مع اللون، وتصالح التاريخ مع الحاضر، لتظل تونس، كعادتها، منارة للفن والمبدعين.

المشاركة في هذا المقال