بين المدن والبلدان، وكتب عن حركة البشر والدول والعمران، ثم وجد نفسه بعد ستة قرون في قلب سجال معاصر حول من يملك حق القول عن هذا العلاّمة : «هذا تراثي»؟
حين يصل ابن خلدون إلى أبواب «ذاكرة العالم» لليونسكو، هل تصل تونس معه فقط باعتبارها مسقط رأسه أم تصل معه أيضا البلدان التي عبرها، والمدن التي أقام فيها، والمكتبات التي حفظت مخطوطاته؟ وهل يمكن لكتاب وُلد من رحم التاريخ العربي الإسلامي أن يصبح، عند لحظة الاعتراف العالمي به، موضوعا لتقاسم الذاكرة بين دول لم تكن حدودها السياسية موجودة أصلا عندما كان صاحبه يكتب "المقدمة"؟
بينما تستعد تونس لخوض امتحان الاعتراف العالمي بترشيح «المقدمة» لسجل «ذاكرة العالم» التابع لليونسكو في ملف مشترك مع الجزائر ومصر وتركيا، تم تجاوز تفاصيل الترشيح للتساؤل خاصة لماذا تركيا؟ وماذا يعني أن تشارك دولة أخرى في ترشيح كتاب ارتبط اسمه بتونس خاصة وبالعالم العربي ثانيا ؟
ابن خلدون... أثر تجاوز حدود وطن
لا شك أنّ حضور ابن خلدون في الذاكرة الوطنية أمرا بديهيا. فقد ولد عبد الرحمن بن محمد بن خلدون في تونس سنة 1332، وتلقى فيها تعليمه الأول، ومنها بدأت رحلة طويلة ستقوده إلى الجزائر والمغرب والأندلس ومصر، قبل أن يترك وراءه واحدا من أضخم المشاريع الفكرية في تاريخ الحضارة الإسلامية ألا وهو "المقدّمة".
لكن المفارقة أن ابن خلدون نفسه كان أكبر من الحدود التي نضعها اليوم حوله. فقد عاش في زمن كانت فيه الجغرافيا فضاء للارتحال، لا مجموعة من الدول الوطنية ذات الحدود الثابتة. فتنقل وكتب وشغل وظائف مرموقة وراقب انهيار دول وصعود أخرى حتى أصبحت حياته الشخصية أشبه بخريطة ممتدة. ولذلك فإن محاولة حصر إرثه داخل جغرافيا واحدة قد تكون مناقضة لجوهر مشروعه الفكري نفسه.
لماذا أثارت تركيا كل هذا الجدل؟
السؤال الذي طرحه كثيرون في تونس يبدو للوهلة الأولى مشروعا: ما علاقة تركيا بابن خلدون؟ فالرجل لم يكن من أصول عثمانية، ولم يولد في الأناضول، ولم تكن الدولة التركية الحديثة موجودة في عصره. لكن المسألة، كما أوضح المؤرخ عبد الحميد الأرقش لـ "المغرب" لا تتعلق بجنسية ابن خلدون ولا بإعادة توزيع هويته، وإنما بطبيعة التراث الوثائقي الذي يحيط بكتابه.
أمام الجدل المتصاعد، قدم المؤرخ والباحث عبد الحميد الأرقش بصفته المنسق العام للجنة الدولية الداعمة لتسجيل «المقدمة» في سجل «ذاكرة العالم»، توضيحات مهمة حول طبيعة الملف المشترك.
وأكد الأرقش أن مشاركة تركيا لا تعني امتلاكها لابن خلدون أو مشاركتها في هويته الثقافية، وإنما ترتبط أساسا بوجود مخطوطات نفيسة وقديمة لـ«المقدمة» محفوظة في مكتباتها وأرشيفاتها التاريخية. كما أوضح أن معايير اليونسكو الخاصة بسجل «ذاكرة العالم» لا تعتمد فقط على بلد منشأ المؤلف، بل تأخذ في الاعتبار أيضا أماكن حفظ المخطوطات الأصلية ومسار انتقالها التاريخي وإسهام المؤسسات المختلفة في صيانتها وتثمينها.
عبد الحميد الأرقش: القضية ليست في "من يملك ابن خلدون"
في توضيحه لخلفيات ملف المقدمة، يلفت الأرقش إلى ضرورة التمييز بين أمرين كثيرا ما اختلطا في النقاش العام وهما الانتماء التاريخي للمؤلف، ومسار المخطوط الذي تركه.ةفبرنامج «ذاكرة العالم» لا يتعامل مع التراث بوصفه ملكية وطنية مغلقة، وإنما ينظر إلى القيمة العالمية للوثائق وإلى تاريخها وأماكن حفظها وانتقالها بين الأجيال والمؤسسات.
ومن هذا المنظور، لا يصبح وجود تركيا انتقاصا من تونس، كما لا تصبح مشاركة الجزائر أو مصر منافسة لها. إن الملف المشترك للتسجيل في اليونسكو يحاول أن يرسم خريطة الرحلة التي قطعتها «المقدمة» عبر الزمن، لا أن يعيد توزيع نسب ابن خلدون.
فكلما اتسعت دائرة الاعتراف بـ«المقدمة»، عاد الضوء إلى المدينة التي شهدت ولادة صاحبها، وإلى البيئة العلمية التي شكلت بداياته، وإلى تونس التي احتفظت باسمه في فضائها الثقافي والعمراني والرمزي.
"المقدمة"... كتاب نجا من كل الحدود
بعد أكثر من ستة قرون، ما تزال «المقدمة» قادرة على إثارة السؤال والاختلاف والدهشة. فكتاب كتب في القرن الرابع عشر ما يزال قادرا على إشعال نقاش في القرن الحادي والعشرين حول الدولة والمجتمع والتاريخ والهوية والذاكرة.
وفي انتظار ما ستسفر عنه عملية تقييم الملف والإعلان المرتقب عن النتائج في ربيع 2027، يبقى الاعتراف الأكبر بأنّ أعظم ما في «المقدمة» أنها استطاعت أن تعبر كل الحدود. فابن خلدون تونسيا في ذاكرة وطنه، وعربيا في فضائه الحضاري، ومتوسطيا في جغرافيته التاريخية، وإنسانيا في أثره الفكري.