الرابعة للصالون الدولي للانتقال الطاقي SITE 2026 تحت شعار الاستثمار والابتكار لتسريع الانتقال الطاقي بمشاركة تتجاوز 60 مؤسسة محلية ودولية و10 شركات ناشئة إلى جانب وفود رسمية واقتصادية رفيعة المستوى من إيطاليا وألمانيا وليبيا. تأتي هذه التظاهرة الاقتصادية لتطرح معضلة الاستدامة والتنافسية في لحظة فارقة حيث يواجه الاقتصاد التونسي ضغوطًا هيكلية حادة جراء تفاقم العجز الطاقي وتأثيراته المباشرة والمركّبة على الميزانية العامة وعجز الميزان التجاري والتوازنات المالية الكلية للبلاد.
تظهر المؤشرات الرسمية الصادرة عن المرصد الوطني للطاقة والمناجم حالة من الارتياح النسبي في حجم الإنتاج الوطني للكهرباء الذي حقق حتى نهاية شهر جوان 2026 زيادة قدرها 5% مقارنة بالفترة ذاتها من السنة الماضيةغير أن هذا النمو الاستهلاكي الذي بلغت ذروته القياسية 4750 ميغاوات خلال فترة الصيف يعمّق الرهان على الاستيراد الخارجي إذ تغطي الواردات الطاقيةولاسيما الغاز الطبيعي المورد من الجزائر نحو 10% من الاحتياجات المباشرة للسوق المحلية لتوليد الكهرباء.
تضع هذه الوضعية بقية المنظومة الاقتصادية تحت رحمة تقلبات الأسعار في الأسواق العالمية وارتفاع الفاتورة الموجهة للدعم الحكومي مما يحدّ من الهوامش المتاحة للاستثمار العمومي في القطاعات التنموية ذات الأولوية.
على الرغم من الانتعاش المتدرج في القدرات المنصوبة والتي بلغت وفق بيانات الوكالة الدولية للطاقة المتجددة نحو 1206 ميغاوات مع نهاية عام 2025 بفضل إضافة 120 ميغاوات جديدة متأتية بالكامل من الطاقة الشمسية الكهروضوئية فإن مساهمة الطاقات المتجددة في المزيج الكهربائي الإجمالي لا تزال عند مستوى 9.2%.
تكشف هذه الأرقام الفجوة التنفيذية أمام تحقيق الهدف الوطني المعلن بالوصول إلى حصة تراوح بين 30% و35% بحلول عام 2030.
لا يقف هذا التأخير عند حدود خفض الانبعاثات الكربونية بل يتحول إلى شرط سيادي لخفض كلفة الإنتاج في القطاع الصناعي الذي يستأثر وحده بـ 59% من إجمالي كبار ومتوسطي المستهلكين للكهرباء ويخوض معركة تنافسية صعبة في الأسواق الخارجية.
إن معركة الانتقال الطاقي في تونس تتجاوز مجرد إضافة قدرات جديدة لإنتاج الكهرباء والتي تتوزع حاليًا بواقع 500 ميغاوات في القطاع السكني و130 ميغاوات للأنشطة الصناعية والخدمية عبر آليات الاستهلاك الذاتي.
المعضلة الحقيقية تكمن في البنية التحتية لشبكة نقل وتوزيع الكهرباء التابعة للشركة التونسية للكهرباء والغاز (STEG) والتي لا تزال تسيطر على 91% من إجمالي الإنتاج الوطني.
تفرض الطبيعة المتغيرة للمصادر الكهروضوئية ورياح الشتاء ضخ استثمارات ضخمة لتحديث الشبكة الوطنية وتحويلها إلى شبكة ذكية إلى جانب إدماج حلول التخزين المتقدمة لزيادة قدرة الاستيعاب وتفادي الاختناقات الفنية التي تحول دون ربط المشاريع الاستثمارية التابعة للقطاع الخاص.
على صعيد التمويل تصطدم المؤسسات الصغرى والمتوسطة التي تشكل أكثر من 90% من النسيج الاقتصادي التونسي بارتفاع تكلفة الاستثمار الأولي وعوائق النفاذ إلى الائتمان المصرفي في ظل مستويات الفائدة الحالية. ويستوجب تجاوز هذا الحجز الهيكلي تفعيل آلية صندوق الانتقال الطاقي FTE وتطوير أدوات تمويل مبتكرة بالتنسيق مع القطاع المصرفي والمؤسسات المالية الدولية.
تعتمد هذه الآليات على تقاسم المخاطر وإعادة جدولة كلفة الأصول على الفترات التشغيلية طويلة المدى بما يشمل مشاريع النجاعة الطاقية والنقل الكهربائي الذي يستوجب بدوره بنية تحتية للشحن وإطارًا تنظيميًا وضريبيًا محفزًا.
في المقابل يطرح ملف الهيدروجين الأخضر آفاقًا واعدة بالنظر إلى الموقع الجغرافي لتونس وقربها المباشر من الأسواق الأوروبية المستهلكة عبر الشراكات المتوسطية إلا أن تحويل هذه الميزة التفاضلية إلى مشروع اقتصادي حقيقي يقتضي صياغة دراسات جدوى دقيقة وضمان القيمة المضافة المحتفظ بها داخل الاقتصاد المحلي تجنبًا للسقوط في نموذج اقتصادي يكتفي بتصدير المادة الخام دون خلق حركية تنموية داخلية.
في النهاية يبقى المحك الحقيقي لصالون SITE 2026 والسياسات المرافقة له مرتبطًا بالقدرة على نقل التكنولوجيا وتوطين الصناعات المساعدة.
لا ينبغي للمزيج الطاقي الجديد أن يستبدل ارتهان المحروقات بارتهان لاستيراد التجهيزات والمعدات؛ بل يجب أن يتحول إلى رافعة لدعم الشركات الناشئة وبناء كفاءات محلية في مجالات الهندسة والبرمجيات وإدارة الشبكات والخدمات الطاقية.
إن تحويل مسار الانتقال الطاقي من عبء يرهق الموازنة العامة إلى محرك رئيسي لإعادة بناء النمو واستعادة التنافسية وحماية السيادة الاقتصادية هو الخيار الوحيد لتأمين مستقبل الاقتصاد التونسي.