حصيلة سوق السيارات في تونس: حين تكشف الأرقام ما وراء المقود

اقترب إجمالي مبيعات  السيارات في تونس باحتساب

السوق الرسمية والمسالك الموازية من عتبة 70 ألف سيارة مسجلًا 69 ألفًا و982 سيارة مقابل 61 ألفًا و505 سيارات خلال الفترة نفسها من سنة 2025 أي بزيادة بلغت 13.78 بالمائة.

رقم يبدو في ظاهره مريحًا لكنه يفتح أكثر من سؤال بدل أن يقدم إجابة واحدة فهل استعادت سوق السيارات عافيتها فعلًا؟ وهل ان  هذا النمو يعكس تحسنًا في الطلب أم هو مجرد إعادة توزيع للطلب بين قنوات مختلفة؟ والأهم ماذا تقول هذه الأرقام عن المستهلك التونسي وعن الاقتصاد الذي يتحرك من حوله؟

تقودنا القراءة الأولى  إلى السوق الرسمية حيث تمكن الوكلاء المعتمدون من بيع نحو  47 ألفًا و2 سيارة إلى غاية أوت 2026، مقابل 42 ألفًا و82 سيارة خلال الفترة نفسها من العام السابق بتحقيق نمو   بلغ 11.69 بالمائة وبذلك تستحوذ السوق الرسمية على نحو 67 بالمائة من إجمالي السوق.

لكن الرقم الأكثر إثارة للاهتمام ربما لا يوجد هنا ففي الجهة الأخرى من السوق سجلت المسالك الموازية نموًا أسرع بلغ 18.31 بالمائة لترتفع عمليات اقتناء السيارات عبر إعادة التسجيل واستعمال الامتياز الجبائي للتونسيين المقيمين بالخارج إلى 22 ألفًا و980 سيارة مقابل 19 ألفًا و423 سيارة خلال الأشهر الثمانية الأولى من 2025. وارتفعت حصة هذه القناة من 32 إلى 33 بالمائة من إجمالي السوق وهنا تبدأ القصة الحقيقية.

لا ينبغي   أن تُقرأ السوق الموازية فقط باعتبارها منافسًا للسوق الرسمية بل باعتبارها أيضًا مؤشرًا على الطريقة التي يحاول بها المستهلك التونسي التكيف مع سوق أصبحت فيها السيارة سلعة مرتفعة الكلفة لا يكفي فيها توفر الرغبة في الشراء إذا لم تتوفر القدرة على تمويلها.

إن نمو المسالك الموازية بوتيرة تفوق نمو السوق الرسمية يمكن أن يُقرأ، من بين زوايا أخرى باعتباره انعكاسًا لحساسية المستهلك للسعر وللفارق بين الكلفة النهائية للسيارة في القنوات المختلفة فحين تصبح السيارة الجديدة عبئًا ماليًا كبيرًا على الأسرة لا يختفي الطلب بالضرورة وإنما يبحث عن مسار آخر وهنا تكمن أهمية الرقم فالتونسي لا يتخلى بسهولة عن السيارة لكنه يعيد النظر في  الطريقة التي يستطيع بها امتلاكها.

وهذا التحول يستحق اهتمامًا يتجاوز قطاع السيارات نفسه.

فالسيارة في تونس ليست مجرد وسيلة نقل إنها أيضًا أصل استهلاكي كبير ومؤشر على قدرة الأسر على الإنفاق ومرآة لتطور التمويل والاستهلاك بل إنها ترتبط بصورة أوسع بمستوى الثقة في المستقبل الاقتصادي. ولذلك فإن ارتفاع عدد السيارات التي تم بيعها  خلال سنة لا يمكن اختزاله في عبارة "انتعاش السوق".

ربما يبدو السؤال الأكثر دقة هو من يشتري؟ وبأي سعر؟ وبأي وسيلة تمويل؟ ومن أي قناة؟

هذه الأسئلة أكثر أهمية من الرقم الإجمالي نفسه.

صحيح أن نمو السوق الرسمية بأكثر من 11 بالمائة يعكس عودة جزء معتبر من الطلب إلى الوكلاء المعتمدين لكن استمرار المسالك الموازية في تحقيق نمو يفوق 18 بالمائة يبعث في الوقت نفسه برسالة واضحة إلى صانعي السياسات والمتدخلين في القطاع مفادها ان  هناك مستهلك  يبحث عن السعر والمرونة قبل أي شيء آخر.

وهنا تبرز إحدى المعضلات المزمنة في سوق السيارات التونسية فالمستهلك يريد سيارة أقل كلفة والدولة تريد تنظيم السوق وحماية مواردها الجبائية والوكلاء الرسميون يتحركون ضمن أطر قانونية وتجارية ومالية محددة بينما تستمر قنوات أخرى في استقطاب جزء مهم من الطلب. والنتيجة سوق واحدة بأكثر من منطق وأكثر من قناة وأكثر من مستوى سعري.

ولذلك فإن النقاش الحقيقي لا ينبغي أن ينحصر في السؤال التقليدي وهو هل ارتفعت مبيعات السيارات أم تراجعت؟ بل يجب أن ينتقل إلى سؤال أكثر جوهرية ليصح القول هل أصبحت السيارة في تونس أقرب إلى المستهلك، أم أن المستهلك هو الذي أصبح أكثر قدرة على الالتفاف على كلفة امتلاكها؟

الفرق بين السؤالين ليس لغويًا إنه فرق بين اقتصاد يتعافى فعلًا واقتصاد يتكيف مع الضغوط.

الأرقام المتوفرة إلى نهاية أوت 2026 لا تسمح وحدها بإعلان تحول هيكلي في السوق، لكنها تكشف دون شك عن ديناميكية جديدة تستحق المتابعة. فالسوق تنمو والقناة الرسمية تنمو والقناة الموازية تنمو بوتيرة أسرع. وفي قلب هذه المعادلة يوجد مستهلك يبدو أنه لم يتخل عن حلم امتلاك سيارة، لكنه أصبح أكثر براعة في البحث عن الصيغة التي تمكنه من تحقيقه.

ومن هنا، ربما تكون أهم دلالة في أرقام السيارات ليست عدد السيارات المباعة، بل عدد التونسيين الذين ما زالوا يجدون طريقة لشراء سيارة رغم كل ما يحيط بالقرار من كلفة وضغوط.

فالسيارة في نهاية المطاف لا تقيس حركة سوقها فقط إنها تقيس أيضًا المسافة بين دخل المواطن وكلفة الحياة وفي الواقع كلما اتسعت تلك المسافة، أصبحت أرقام المبيعات بحاجة إلى أن تُقرأ بين السطور لا في العناوين فقط.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115