ماكرون ضد ترامب في اجتماع الجمعية العامة: منحى دولي جديد لمقاومة الهيمنة الأمريكية على العالـم؟

حدثان استرعيا اهتمام الرأي العام العالمي خلال افتتاح الدورة 73 للجمعية العامة للأمم المتحدة:

هجمة الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون على الموقف القومي الانعزالي الأمريكي و «القهقهة» الساخرة للوفود المشاركة في الدورة أمام خطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب. لأول مرة يشهد التاريخ الحديث عرض الاختلافات الإستراتيجية على العلن، بهذه الطريقة الفذة، بين الحلفاء في ما كان يسمى «العالم الحر».
واصل الرئيس الأمريكي في خطابه أمام المنتظم الدولي سلسلة المقولات القومية التي تتمحور حول مبدأ «أمريكا أولا» و سياسته الهادفة إلى حماية مصالح بلاده. و لم يتأخر عن إظهار موقف غليظ ضد الاتفاق النووي الإيراني و دعا إلى «عزل» إيران بعد أن كرس العقوبات الاقتصادية ضد الصين و أوروبا و هدد الدول المنتجة للبترول ، و في مقدمتها دول الشرق

الأوسط، بسبب رفع أسعار المحروقات. و نالت إسرائيل و بولونيا و ... كوريا الشمالية استحسان دونالد ترامب. وركز دونالد ترامب على إيران معتبرا أن «المسؤولين في إيران يزرعون الفوضى و الموت و الدمار. هم لا يحترمون لا جيرانهم و لا الحدود و لا سيادة الأمم.» و ندد ب «الدكتاتورية الفاسدة» و دعا لمنعها من «تطبيق أجندتها الدامية».

و كانت الولايات المتحدة الأمريكية قد انسحبت في السنة الأولى من ولاية دونالد ترامب من من اتفاق باريس حول الانحباس الحراري ومن الاتفاق حول الملف النووي الإيراني و من منظمة اليونسكو و الاتفاقية الدولية للهجرة و اللجوء و المجلس الأممي لحقوق الإنسان. وهددت بقطع مساهماتها المالية لمنظمة الأمم المتحدة التي تصل إلى 26%، و ذلك قبل أن توقف المساعدات للفلسطينيين و لمنظمة «الأنروا» لحماية اللاجئين الفلسطينيين. و ولدت الولايات المتحدة بذلك الشعور بأنها تنعزل من النظام العالمي مع الإبقاء على هيمنتها في المناطق و المسائل التي تعتبرها حيوية و ضامنة لأمنها القومي. واندرجت المواقف الأمريكية في إطار ما عبر عنه دونالد ترامب أمام زعماء العالم: «نحن نرفض إيديولوجية العولمة و نتمسك بعقيدة القومية.»

قطيعة مع أوروبا؟
و فاجأ الرئيس الفرنسي الجميع بشراسة رده المعارض لخطاب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بدون ذكر اسمه. و كان ترامب قد ألقى خطابا عفويا في افتتاح الدورة بدون الرجوع إلى أي وثيقة في حين أحضر إيمانويل ماكرون خطابا كتابيا كان قد جهزه للمناسبة مع سابق إضمار. و كانت صور اللقاء الحميمي خلال العام الماضي مع «الصديق ترامب» في واشنطن لا تزال عالقة في الأذهان. وركز الرئيس الفرنسي في خطابه على الاختلاف الجوهري المتعلق بالنظام العالمي الجديد. و أكد على تعلقه بنظام دولي متعدد الأقطاب يعتمد التشاور و الحوار و التوصل لحلول توافقية كما حصل في شأن الاتفاق حول مقاومة الاحتباس الحراري بباريس والاتفاق حول الملف النووي الإيراني. و استعمل الرئيس ماكرون عبارات حادة أكد فيها على خطورة الموقف الأمريكي من القضايا الدولية الراهنة و أكد أنه «يرفض أن يكون القانون هو الذي يفرضه القوي». و كان ذلك مثل التحدي للموقف الأمريكي.

و أكد ماكرون على «حدة الأزمة» التي يعيشه النظام الدولي و دعا الحاضرين من الوفود إلى «العمل سويا على إرساء نظام جديد يضمن التوازن الدولي». و أضاف : «أؤكد هنا أن هذه الطريق سوف تسوقنا إلى الانعزال و الصراع، إلى المواجهة الشاملة للجميع ضد الجميع، و ذلك على حساب الكل، حتى على حساب من يحسب نفسه الأقوى.» و طالب في خطوة تحد يائسة «ألا نوقع أي اتفاق تجاري مع القوى التي لا تحترم اتفاق باريس.» و ختم ماكرون تحليله بقوله: « فرنسا سوف تكون جاهزة للتذكير بأن دوي القوميات يلقي بنا دائما في الهاوية.»

من جهته عبرت فيديريكا موغيريني المسؤولة على العلاقات الخارجية للإتحاد الأوروبي أن الإتحاد توصل مع البنك المركزي الأوروبي إلى إرساء آلية تسمح للمؤسسات الأوروبية بمواصلة العلاقات التجارية و الإقتصادية مع إيران بدون اعتماد عملة الدولار و ذلك من أجل الهروب من العقوبات الأمريكية المسلطة على الشركات التي تتعامل مع إيران وتستعمل في تبادلاتها العملة الأمريكية. و إن لا يعرف الملاحظون مدى قدرة هذا الإجراء على تخطي العقوبات الأمريكية و على تطبيق الاتفاقات الحاصلة مع إيران ، فإنهم يعتبرونه خطوة جديدة تشير إلى تحول عميق في الموقف تجاه البيت الأبيض و حرص واضح على حماية المصالح الأوروبية من الغطرسة الأمريكية. وهو تحول ملحوظ يمكن أن يتطور إلى نسج إجراءات أخرى في إطار الحرب الاقتصادية التي تريد الولايات المتحدة شنها ضد منافسيها في أسيا مثل الصين و اليابان و روسيا و كذلك ضد الإتحاد الأوروبي الذي أصبح ثاني منطقة اقتصادية في العالم و يطمح، بالرغم من كل العراقيل، إلى زعامة النظام العالمي الجديد متعدد الأقطاب.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

adresse 1 نهج جمال الدين الافغاني 1002 تونس
tel 31389389
fax 71289499