مجرد حوادث متفرقة يمكن التعامل معها كل على حدة، ولا مجرد اضطرابات ظرفية سرعان ما تستعيد بعدها المرافق والخدمات نسقها المعتاد، فانقطاع الماء والكهرباء وارتفاع درجات الحرارة واضطرابات التزود بالمحروقات والأدوية والمياه المعدنية، إلى جانب تنامي الاحتقان الاجتماعي في عدد من الجهات، تبدو اليوم حلقات متداخلة في أزمة أوسع تكشف هشاشة عدد من المنظومات الأساسية وعجز السياسات العمومية عن استباق الاختلالات قبل تحولها إلى أزمات مفتوحة.
ولعل الأخطر في المشهد الراهن ليس فقط تكرر الأزمات، وإنما الطريقة التي يتم التعاطي معها، فكل أزمة تكاد تجد طريقها إلى الحل المؤقت أو التهدئة الظرفية حتى تعود في شكل جديد أو تنتقل آثارها إلى قطاع آخر، بما يجعل الدولة في حالة استجابة دائمة للأعراض، من دون أن تبلغ جذور المشكلات، وبينما ينتظر المواطن تفسيرات واضحة وخططا عملية يجد نفسه أمام خطاب سياسي يكثر فيه الحديث عن المؤامرات والفساد والاحتكار والمضاربة في مقابل غياب الكشف عن مكامن الخلل والاستباق وإدارة الموارد وترتيب الأولويات.
وقد كان لافتا أن رئيس الجمهورية قيس سعيد، خلال تحوله إلى معتمدية الوسلاتية من ولاية القيروان يوم 22 أوت الجاري، حين اعتبر أن ما يحصل من قطع للماء والكهرباء في ظل القيظ الحار ليس أمرا طبيعيا وربط ما يحدث بمحاولات لتأجيج الأوضاع، مشيرا كذلك إلى غياب قوارير المياه المعدنية عن الأسواق، غير أن توصيف الظاهرة باعتبارها نتيجة لمخططات تستهدف تأجيج الأوضاع لا يجيب عن السؤال الأكثر إلحاحا لدى التونسيين، لماذا أصبحت المنظومات التي توفر أبسط الخدمات الأساسية عاجزة عن ضمان استمراريتها، ولماذا تتكرر الاختلالات ذاتها رغم تراكم التجارب والتنبيهات؟.
ذلك أن المواطن لا يعيش الأزمة باعتبارها سجالا سياسيا بل باعتبارها واقعا يوميا يمس حياته مباشرة، فانقطاع الكهرباء أثناء موجة حر شديدة يعني تعطل أجهزة التبريد، واضطراب الماء يعني البحث عن بدائل في ظروف مناخية قاسية ونقص المياه المعلبة يحول منتجا أساسيا إلى مادة يتسابق المواطنين للحصول عليها، فيما يؤدي نقص الأدوية أو المحروقات إلى توسيع دائرة القلق لتشمل الصحة والتنقل والعمل والخدمات.
وفي هذا السياق، جاءت فاجعة غرق مركب قبالة سواحل بن قردان، وما خلفته من ضحايا واحتقان واحتجاجات، لتضيف طبقة جديدة إلى مشهد اجتماعي شديد التوتر، فالفاجعة لم تقع في فراغ، وإنما جاءت في لحظة تتقاطع فيها الضغوطات بما جعل الغضب الشعبي يجد أكثر من سبب للتعبير عن نفسه، وبين مأساة الهجرة غير النظامية وأزمة الماء والكهرباء وغلاء بعض المواد ونقصها، يظهر عامل مشترك يتمثل في شعور متزايد لدى المواطنين بأن الدولة لا تملك دائما القدرة على حماية الحد الأدنى من الاستقرار اليومي.
ولذلك، فإن اختزال ما يحدث في عامل واحد سواء تعلق الأمر بالاحتكار أو المضاربة أو الفساد أو التآمر أو سوء تصرف بعض الإدارات، قد يحجب الصورة الأوسع، فالمشكلة تبدو أعمق من مجرد اختلال عابر في التزويد، وهي ترتبط بتآكل تدريجي في عدد من المنظومات التي يفترض أن تعمل بصورة استباقية ومنتظمة، وبسياسات تراكمت نتائجها عبر سنوات وحكومات متعاقبة، من دون معالجة جذرية للاختلالات.
فالأزمة، في جانب كبير منها، هي أيضا أزمة تخطيط واستباق ومتابعة، وهي أزمة قدرة على قراءة المؤشرات قبل تحولها إلى نقص وانقطاع واحتقان على غرار ما نشهده منذ أيام من نقص في المياه المعدنية المعلبة والذي لا يمكن تفسيره فقط بغياب العرض بل يطرح أسئلة تتعلق بسلسلة الإنتاج والتوزيع والتخزين والمراقبة والقدرة على الاستجابة للطلب الاستثنائي.
ومن هنا، فإن تحديد الأسعار لا يكفي إذا لم يتوفر الإنتاج، كما أن الإعلان عن حلول ظرفية لا يعالج اختلالا يتكرر كلما تغيرت الظروف، فالمواطن يحتاج قبل كل شيء إلى معرفة ما الذي يحدث وما أسبابه الحقيقية وما الذي ستفعله الدولة لمنع تكراره وفي أي آجال، فالمصارحة أصبحت جزءا من إدارة الأزمة نفسها، كما أن المصالحة مع الواقع تقتضي الاعتراف بأن البلاد تواجه أزمات مركبة لا يمكن حلها بحلول ظرفية، فالمنظومات المتآكلة تحتاج إلى إعادة بناء والسياسات العمومية تحتاج إلى ترتيب جديد للأولويات، يقوم على حماية الخدمات الأساسية وضمان استمراريتها قبل الانشغال بالمعالجة المتأخرة لتداعيات انهيارها.
والأخطر أن استمرار ترحيل الأزمات يرفع كلفة الحل مع مرور الوقت، فكلما تأخرت الإصلاحات أصبحت المعالجة أكثر تعقيدا وأكثر كلفة، ولم تعد الدولة تواجه مشكلة واحدة، وإنما شبكة من المشكلات المتداخلة التي يغذي بعضها البعض، أزمة الماء تضغط على الكهرباء والحرارة تضغط على الطاقة واضطراب الطاقة ينعكس على الخدمات ونقص المواد الأساسية يغذي الاحتقان بينما يؤدي الاحتقان الاجتماعي إلى مزيد من الضغط على مؤسسات الدولة.
إن البلاد اليوم لا تحتاج إلى خطاب يطمئنها فقط إلى أن الأزمة ستنتهي بقدر ما تحتاج إلى مشروع واضح يفسر كيف ستمنع الأزمة المقبلة، وهي لا تحتاج إلى البحث الدائم عن جهة تحمّل مسؤولية كل اختلال، بقدر حاجتها إلى تحديد المسؤوليات داخل منظومة الحكم والإدارة ووضع أهداف قابلة للتطبيق على أرض الواقع وبآجال واضحة .
فالدولة ليست تلك التي تنجح فقط في احتواء الاحتجاج بعد اندلاعه وإنما تلك التي تمنع أسباب الانفجار قبل تراكمها وليست الدولة التي تكتفي بتحديد الأسعار أو إصدار البلاغات، وإنما التي تضمن وجود السلع والخدمات التي يحتاجها المواطن، خصوصا عندما يتعلق الأمر بالماء والكهرباء والدواء والمحروقات...
وبينما يتواصل الصيف بحرارته غير المسبوقة وتستمر الضغوط والتوترات الاجتماعية، فإن الرسالة الأهم تكمن في أنه لم يعد ممكنا إدارة البلاد بمنطق انتظار الأزمة ثم البحث عن حل مؤقت لها، فالبلاد بحاجة إلى الانتقال من إدارة الأزمات إلى منعها، ومن ترحيل الملفات إلى حسمها، ومن خطاب تفسير الأزمات إلى سياسة تعالج أسبابها، فالمسألة لم تعد تتعلق بأزمة ماء أو كهرباء أو محروقات أو أدوية أو مياه معدنية منفصلة، وإنما بقدرة الدولة نفسها على إعادة بناء المنظومات واستعادة ثقة المواطن عبر التخطيط والاستباق وتحمل المسؤولية.
الوقت لا يزال يسمح بالإصلاح ولكن الاستمرار في التأجيل لا يعني سوى أن كلفة الإصلاح ستتضاعف وأن الأزمات المقبلة ستكون أشدّ تأثيرا وتشعبا، والأخطر هو أن يتحول المواطن تدريجيا من انتظار الحلّ إلى الاعتياد على الأزمة، وعندها لن تكون البلاد أمام أزمة خدمات أساسية بل أمام أزمة ثقة في قدرة الدولة على إدارة الأزمات، فالدولة مطالبة اليوم بأن تتصالح وأن تصارح الشعب بالحقيقة بعيدا عن الخطابات السياسية.