الجنوب في النظام العالمي : (5) عدم انحياز ام انحياز متعدد ؟

عرفت الفترة الاخيرة تعبئة كبيرة من بلدان الجنوب المعلوم من اجل فرض اصلاحات حقيقة على النظام

العالمي ليكون أكثر عدلا وانصافا.فقد ازدادت الأزمات المتعددة والمتتالية على المستويات المالية والاقتصادية والاجتماعية والمناخية .وقد خلفت الجائحة والمرارة والغصب عند بلدان الجنوب فيما يخص الحصول على التلاقيح بعد اعطاء المخابر الاولوية الى بلدان الشمال وطالبت بلدان الجنوب بتوزان عالمي جديد.ثم جاءت الحرب الروسية في اوكرانيا لتزيد من الصعوبات المالية والاقتصادية لبلدان الجنوب .
جاءت هذه الازمات العالمية والتي زادت من الفوارق والتفاوت بين اقطاب النظام العالمي والهامش لتعمق الغضب وسخط بلدان الجنوب المعلوم على النظام العالمي والمطالبة بانهاء الهيمنة الغربية والتأسيس لتوزان عالمي جديد اكثر عدلا وانفتاحا .
وأخذت ثورة الجنوب المعلوم ومطالب الاصلاح والدفاع على مصالحها في النظام العالمي مسارات متعددة من بينها الضغط في صلب المؤسسات القائمة واعطاء دور جديد ونشيط كما هو الشأن مع مجموعة" البريكس".
وكانت احدى التحولات الكبرى في علاقة بلدان الجنوب المعلوم باقطاب النظام العالمي هو ظهور ما يسمى اليوم في المحافل الدولية باستراتيجية تعدد الاصطفاف او تنوع التحالفات والالتقاءات او ما يسمى ب multialignements او pluri-latéralisme والذي سعت من خلله بلدان الجنوب الى تحسين مواقعها التفاوضية .
- تعدد التحالفات ،إستراتيجية الجنوب المعلوم الجديدة
عرفت استراتجيات الجنوب المعلوم تحولات وتغيرات كبيرة في السنوات الاخيرة للدفاع عن مصالحها وتحسين مواقعها التفاوضية.والى جانب الاستراتيجيات الجماعية داخل مؤسسات النظام العالمي او الضغط من خلال تحالفات بلدان الجنوب من خلال مجموعة البريكس اتبعت عديد البلدان استراتجيات فردية من اجل تحسين مواقعها في النظام العالمي والدفاع على مصالحها من خلال استعمال ميزاتها التفاضلية .
وقد اهتمت مراكز البحث وعديد الباحثين في العلوم السياسية بالإستراتيجية الجديدة لبلدان الجنوب والتي تقاطعت مع إستراتيجية عدم الانحياز والتي هيمنت على تحالفات وتموقع هذه البلدان منذ نهاية الخمسينات الى نهاية السبعينات .وقد أطلق على هذه الإستراتيجية الجديدة تسمية او مفهومتعدد الاصطفاف او تنوع التحالفات والتي حاولنا من خلالها ترجمة مفهومي multi-aligement او multi-lateralisme باللغة الانقليزية .
وقد صاحبت هذه الإستراتيجية الجديدة التطور والتحولات الكبرى التي عرفها النظام العالمي وبصفة خاصة خروجنا من عالم ثنائية القطبية وانقسامه بين معسكرين الاشتراكي بقيادة الاتحاد السوفياتي والمعسكر الليبرالي تحت امرة الولايات المتحدة الامريكية .وفي ظل الرعب الذي ساد هذه المرحلة التاريخية اختارت دول عدم الانحياز والتي تحصلت على استقلالها حديثتا طريقا ثالث هو عدم الانحياز لاي طرف من قطبي النظام العالمي محاولة بذلك الضغط للمحافظة على السلم العالمي وتفادي العودة الى ماسي الحروب وهول العنف والمواجهات العسكرية .
وتختلف الوضع الذي نعيشه اليوم جذريا عن الذي عرفناه اثر الحرب العالمية الثانية.فاثر سقوط عالم القطبية الثنائية مع انهيار الاتحاد السوفياتي وتراجع وانكسار عالم القطبية الواحدة مع هيمنة الولايات المتحدة دخلنا عالم تعدد الاقطاب مع بروز بلدان الجنوب الصاعدة كالصين والهند والبرازيل وروسيا وافريقيا الجنوبية التي شكلت مجموعة "البريكس" لاحقا .
وبرزت هذه الإستراتيجية لعديد بلدان الجنوب المعلوم في ظل هذه المتغيرات والتحولات الكبرى التي يعيشها النظام العالمي مع بروز العالم المتعدد الاقطاب .وإستراتيجية تعدد الاصطفاف او multialignement التي تختلف جوهريا عن إستراتيجية عدم الانحياز من حيث كونها لا تحتكم ولا تقف عند الخيارات الإيديولوجية.فإستراتيجية تعدد التحالفات والاصطفاف هي إستراتيجية براغماتية وواقعية تتبعها عديد البلدان من الجنوب المعلوم للدفاع على مصالحها وحماياتها في ظل المخاطر الكبرى التي يعيشها العالم .
وتعتمد هذه الإستراتيجية على فتح قنوات الحوار والتفاوض مع كل اقطاب النظام العالمي .وليست هذه الإستراتيجية بالسهولة التي يتصورها البعض فهي تتطلب مرونة وواقعية وتحركات قد لا تتوفر في بعض الاطراف والاقطاب والتي تعددت عبر التاريخ على اصطفاف بعض بلدان الجنوب المعلوم حولها بدون شروط او قيود .
وفتحت هذه الإستراتيجية هامشا كبيرا للحركة والتموقع لبلدان الجنوب المعلوم .فالتقاء هذه البلدان مع اقطاب النظام العالمي لم تعد إستراتيجية بل ظرفية حول قضايا محددة .وتساهم هذه الإستراتيجية في دعم استقلالية بلدان الجنوب المعلوم وسيادتها الجيوسرتيجية والاقتصادية في ظل التحولات الكبرى التي يعيشها العالم والغموض والتذبذب الذي يسودها .
الا ان وضع هذه الإستراتيجية وتطبيقها يتطلب شروطا مهمة لا تتوفر الكثير من بلدان الجنوب المعلوم .ومن اهم هذه الشروط هي توفر البلدان التي ترنوا الى تطبيق هذه الإستراتيجية على ميزة جيوستراتيجية او مالية او اقتصادية او من ناحية المواد الاولية تجعلها قادرة على الصمود امام ضغط اقطاب النظام الدولي وفي بعض الاحيان عبرت عن غضبها واستيائها على مواقف بعض حلفاء الامس الخاضعين لهيمنتها ولسلطتها .
ومن ضمن الشروط لانجاح هذه الاستراتيجية نشير الى الاستقرار السياسي في بلدان الجنوب المعلوم والتي تضمن استمرارية اختياراتها الجيوسراتيجية .ولعل اهم مثال في هذا الاطار هو انتخاب الرئيس لولا داسيلفا في البرازيل والذي وضع اختيارات إستراتيجية تختلف جوهريا عن اختيارات سابقة الرئيس بولسارينوا .
وفي راينا فإن هذه الإستراتيجية الجديدة لبلدان الجنوب والتي اعتبرها العديدون نظرة استباقية للحياد لا تتوقف على المستوى النظري بل وجدت طريقها كذلك الى ارض الواقع حيث اصبحت تسوس سياسات بلدان الجنوب المعلوم .
- استراتيجيات الانحياز المتعدد من النظرية الى الواقع
يمكن ان نسوق عديد الامثلة حول تطبيق استراتيجيات الحياد الجديدة او تعدد الاصطفاف من قبل عديد البلدان من الجنوب المعلوم .وقد قامت عديد الدوريات العلمية ومراكز البحث في الاشهر الاخيرة بمتابعة هذه التصورات والاختيارات الاستراتيجية لبلدان الجنوب المعلوم .
ولعل اخر هذه الاصدارت واهمها العدد الخاص والأخير للدورية الأمريكيةForeign affairs لجوان 2023 والذي صدر تحت عنوان "the nonaligned world-the west the rest and the new global discorder او "العالم غير المنحاز – الغرب والآخرون وعالم الفوضى "
وقد اهتم عديد المفكرين والباحثين بتطور مواقف في هذا العالم المتعدد الاقطاب .ولعل اهم مقال في هذا المجال هو الذي خصصته نيروباما راو (Nirupama Rao) وهي سكريتيرة سابقة في الهند للشؤون الخارجية وسفيرة سابقة في الصين والولايات المتحدة الامريكية .وهذا المقال هو بعنوان "the upside of Rivality –india’s great power opportuniyy" او "تصاعد المنافسة – فرص الهند لبناء قوتها"
وصدر في نفس العدد الخاص لدورية foreign policy لجوان 2023.وتشير في هذا المقال الى ان الهند تحاول ان توسم سياستها الحيادية والمستقلة في ظل الاوضاع العالمية المعقدة وتحاول الهند بناء هذه الاستراتيجية في علاقة بالقوى الكبرى وتعدد الاقطاب في العالم وبفصة خاصة باربعة لاعبين كبار ومفكرين ومؤثرين في الاختيارات الكبرى للهند.
وتشكل العلاقة الصعبة والمعقدة مع الصين احد اهم التحديات للهند.فمن جهة نجد الخلافات الحدودية والحروب المواجهات المسلحة التي نتجت عنها لتصبح المسالة الامنية في اولى اهتمامات الحكومات الهندية ونتج عنها برود في العلاقات بين البلدين حتى ان الرئيس الصيني xiFinping اوكسي جين بنغ لم يتحول الى الهند لحضور قمة العشرين منذ ايام .لكن في نفس الوقت فإن هذه الخلافات تدفع الهند الى قطع علاقتها مع الصين التي تشكل اهم شريك تجاري لها .كما حافظت الهند على عضوتيها في مجموعة شانغاي للتعاون الاقتصادي (shanghai cooperation orqanization) والتي تقودها الصين .
اما الشريك الثاني للهند فهو الغرب وبصفة خاصة فرنسا والولايات المتحدة الامريكية والتي زارها الوزير الاول الهندي نرندرا (Narendras Modi) في الأسابيع الاخيرة .وتهم هذه الشراكة الجانب الاقتصادي خاصة في مجال التكنولوجيات الحديثة وكذلك الجانب الامني والعسكري حيث تتقاسم الهند مع الولايات المتحدة الأمريكية المعلومات والمعطيات العسكرية والامنية .وتتكفل امريكا بتكوين القيادات العسكرية الهندية .وفي نفس الوقت بقيت الهند جزءا من المجموعة التي كونتها الولايات المتحدة مع استراليا واليابان سنة 2007 التي تسمى (Qaud) والتي تعمل على مواجهة التاثير الصيني في آسيا و المحيط الهادي .
اما اللاعب الثالثق في المعادلة الهندية الاستراتيجية هو روسيا .ولئن رفضت الهند الاصطفاف وراء المعسكر الغربي للتنديد بروسيا الا انها ترفض التدخل العسكري الروسي اوكرانيا وتؤكد على مبدا احترام حدود البلدان وفي نفس الوقت فإن الهند تعتمد على روسيا في شراءاتها العسكرية وفي تأثيرها على الموقف الصيني في علاقة بخلافتها الحدودية .
وتسعى الهند الى مواصلة تأثيرها في بلدان الجنوب المعولم من خلال تواجدها النشيط في مجموعة البريكس او في البلدالن الإفريقية .
واعتبرت عديد التحاليل والبحوث ان تطور التصور الاستراتيجي للعربية السعودية يسير في هذا التمشي الجديد وتعدد الاصطفاف والتحالفات فمن جهة تبقى المملكة حليفا كبيرا للولايات المتحدة الامريكية في المنطقة العربية الا انها في نفس الوقت تلتقي نمع روسيا في التخفيض في الانتاج العالمي للنفط داخل منظمة الاوبيك للمحافظة على اسعار مرتفعة في السوق العالمية وقد سعت المملكة الى الوصول الى اتفاق مع ايران برعاية صينية للحد من التهديدات الامنية والعسكرية التي تواجهها .
وقد اشار الخبير في الشؤون العربية والباحث في مؤسسة كارنيقي David Miller دافيد ميلر الى هذه التحولات الكبرى للاختيارات الاستراتييجة للعربية السعودية وانخراطها في مفهوم تعدد التحالفات .
وقد عملت بلدان الجنوب المعلوم في المدة الاخيرة على تغيير استراتيجياتها من اجل التلاؤم العالم الجديد ومتطلبات وتحديات تعدد الاقطاب .من ذلك الضغط في المؤسسات القائمة غلى تنشيط المؤسسات الموجودة مثل البريكس الى تعدد التحالفات وقد شكل اجابات بلدان الجنوب على العالم المتغير .
ويبقى الهدف الاستراتيجي لبلدان الجنوب المعلوم اصلاح النظام العالمي لإنهاء الهيمنة الغربية وبناء توزان عالمي جديد .
يتبع ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115