«القدس في وجدان التونسي وضمير المسلم» للشيخ الدكتور إبراهيم الشايبي القدس محلّ الخلاص وبوّابة السماء

ليست المرّة الأولى ولا أحسبها الأخيرة التي أكتب فيها عن تآليف الشيخ الدكتور إبراهيم الشايبي والذي أتمنّى ألا تثنيه مشاغل وزارة الشؤون الدينية

وهو يتقلّدها بثقل أحمالها –أعانه الله على مسؤولياتها-عن العلم والكتابة وهو العاشق لهما عشق الفاني والصوفي الربّاني.

فبعد أن قرأت بشغف ما حبّره على امتداد سنوات من العطاء والدفق من كتب بلغت العشرة : – التبرّع بالأعضاء بين السائل والفقيه / الاختلاف العقيم بين المسلمين / الطقوس الجنائزيّة بين العادات الشعبيّة والاحكام الشرعية/ مناسباتنا بين الشرع والمجتمع / موسم الحجّ بين الموجود والمنشود/ دعاة لا عتاة/ ما هكذا كنت تفتينا/ وغيرها -.
وبعد أن لامست معاناته في التحبير وفي الجمع وفي الاختيار ومكابدته في الطباعة والنشر وكنت أخال أنّ عزيمته ستفتر ويصيبه الكلل لكنّ الرجل
بما يحمله من فيوضات العاطفة الجيّاشة، والحسّ المرهف، ومن عقل الأصوليّ المحقّق المدقّق وقلبَ الصّوفيّ الذائق وذهن المحدّث الراوي وفطنة الفقيه المتبحّر وحدس الداعيّة المتنوّر. وجدت فيه ذلك المتحفّز لتتواصل مسيرة العطاء لا مبدّلا ولا مغيّرا. راكبا راحلة البناء ومراكب الكتابة بأسلوبه العميق والمتين الجامع بين فنون البلاغة وضروب التحديث وجمالية السجع. ينظر إلى شمس التأييد تشرق ومياه نهر المزيد تجري هطّالة ..
ووجدته يخرج من القضايا الفكرية الفقهية التأصيلية التي تناولها فيما كتب سابقا ليطرق بابا جديدا عنوانه الكبير «الانتماء « إلى الوطن/ تونس وإلى الوطن الأكبر وطن العروبة فلسطين وإلى أكبر الأوطان الإسلام في أرقى معانيه الإنسانية الشاملة.
فهذا الكتاب الجديد «القدس في وجدان التونسي وضمير المسلم» يرى النّور ليدقّ ناقوسا لن يصمت..ويحرّك مشاعر لن تموت وينشر ألويّة لن تنكّس ..
«القدس في وجدان التونسي وضمير المسلم» قفزة نوعيّة في مؤلّفات الدكتور الشايبي.
صدر مؤخّرا في حلّة مصدّرة في غلافه بقبّة المسجد الأقصى وفلسطيني بالكوفيّة الرمز يتعلّق نظره بأمل التحرّر والعودة والتصق في أعلى الغلاف العلمان الفلسطيني والتونسي التصاقا دون انفصام يرفرفان انعتاقا واتّحادا. جاء الكتاب في 160 صفحة تزركشت أولى الصفحات بنصوص خالدة من القرآن والسنّة المطهّرة وكلمات الراسخين من أرض فلسطين ..
وجاءت المقدّمة للإجابة عن سؤالين لماذا الكتاب؟ ولماذا الآن؟ جملة من الدوافع القريبة والبعيدة التقت ليكون هذا الكتاب عفويا امتزج فيه الذاتي والتاريخي والديني والوطني والقومي ولعلّ العفويّة تتجلّى في أنّ القضية الفلسطينية تسكن قلب المؤلّف منذ صباه فوضع وليده بعد أن تمّ حمله لسنوات فرأى النّور كبيرا يافعا.
ثمّ اقتضت المنهجية تقسيم الكتاب الى ثلاثة أبواب لكلّ باب مفتاحه وفصوله:
1 - الباب الأوّل : «فلسطين
في وجدان التونسي»:
فتونس هي فلسطين وفلسطين هي تونس المواقف ثابتة والبطولات مشرّفة والايثار معلوم تاريخ مشترك ومعاضدات صادقة في كلّ نضالات الفلسطينيين حرب 1948 و1967 و1973 ..كلّ التونسيين صمدوا مع فلسطين الحبيبة نخب وأطبّاء وشيوخ ونقابات وطلبة وتلاميذ وإعلام ومساجد حتّى التراب التونسي احتضن الفلسطينيين وسقي بدمهم فرغم التهديدات والمخاطر فتونس كانت حضنا ضمّهم ولا يزال مفتوحا لإخوة أشقاء ..ثمّ جاء الفصل الثاني للتشنيع بالاعتداءات السافرة والاغتيالات الغادرة للكيان الصهيوني على أرضنا في قراءة تاريخية مستفيضة تصوّر الانتصار والتلاحم وتصوّر الهزيمة والغدر الغاشم.
-2 الباب الثاني: «القدس
في ضمير المسلم»:
ومن تونس تمتد رؤية الدكتور إبراهيم الشايبي ليفتح بوّابة القرآن الكريم وبوّابة سنّة المصطفى عليه الصلاة والسلام وبوّابة التاريخ القديم ويطلّ على القدس كمهبط للرّسالات وبقعة من بقع الجنّة ومجمع الفضائل والبركات والأرض المباركة وقبلة الأنبياء وبوّابة الاسراء والمعراج وكلّ ذلك في قراءة طريّة للنصوص قراءة غير مسبوقة لها فرادة متميّزة وبيان غضّ مولّدا منها معاني الرحمة والخلاص والقداسة والجذور والانتماء ورمزية الحريّة والحقّ..كلّ هذا وأكثر طفح به الباب الثاني وعنوانه «القدس في ضمير المسلم « بفصوله الثلاثة :
• القدس مهبط الرسالات ومجمع الفضائل والبركات .
• القدس أولى القبلتين.
• القدس بوّابة السماء منتهى الاسراء ومبتدأ المعراج.
3 - الباب الثالث: العمليات الفدائيّة إرهاب أم جهاد؟ انتحار أم استشهاد؟
هي أسئلة حرجة وتحتاج فتاوى صريحة بعيدة عن التأدّلج الأجوف الضيّق وعن التجارة الإفتائية التي بات يتكسّب منها بعض دعاة الفتنة والقتل ..فالفتوى كما جاء في الفصل الأول هي شكل من أشكال المقاومة تزعزع المحتلّ وتقوّي وجدان الثائر وقلب المدافع عن حقوقه ..
ولقد برز ذكاء الدكتور الشايبي في هذا الباب بحكم سعة درايته الفقهية وبعد نظره المقاصدي وتصوّره السليم للفتوى وتماشيها من المتغيّرات حين كان الفصل الثاني ترجمانا تعبيريا عن التأكيد على تغيّر الفتاوى حول العمليات الفدائية بتغيّر الظرف وبالعبور من الحثّ إلى الترك وفق المقتضيات لأنها ليست غاية في حدّ ذاتها بل حلّ أخير حين يتعنّت الظالم المستبدّ أمّا المسلم فللسلم فهو أجنح ما ضمن حقّه ونال أربه.
واختتم الدكتور الشايبي كتابه بوصيّة الشهيد ميلود بن ناجح نومة التونسي من الذين قاتلوا في صفوف المقاومة والذي يقول «لقد اخترت الشهادة رفعة لشأن وطني ورفعة لشأن إرادة المواجهة ...».
واختتم الدكتور الشايبي كتابه بشعار جادت به قريحته «مات التطبيع ..عاشت المقاومة «ليظلّ« راية تسلّم إلى الجيل الذي ولد يوم صدور الكتاب ليحي الأمل العريض في غدنا ويصون الأمانة ويحمل البشائر» ص 153 من الكتاب .
160 صفحة حبلى بالصدق ..مشبعة بالتوق .. مزيج من العزّة والكرامة ونخوة التاريخ ومواجيد الوحدة ومشاعر فيّاضة أضفاها الدكتور الشايبي في صنف جديد من الكتابة تخلّص فيها من جفاف الأحكام ووجع الاستدلال إلى نضارة الانتماء وخرير ماء التوثّب لنرى القدس من قريب نسجد فوق ثراها ونشتمّ عطورها ..

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115