وفاة طبيبة وسجن آخرين أثناء أداء عملهم طفح الكيل و«تكسرت النبال على النبال»

سوف يكون يوم الأربعاء 8 فيفري يوم غضب تاريخي للأطباء التونسيين. فمنذ أيام تم سجن طبيب في قابس بصورة تحفظية لشبهة وجود خطإ طبي. و بعد إصابته بنوبة قلبية تمت نقلته إلى المستشفى العسكري حيث أصيب بنوبة دماغية و لا يزال تحت طائلة الإيقاف. و يوم السبت

الماضي تم سجن طبيبة في سوسة بالرغم من أن كل التحريات الأولية أثبتت عدم وجود خطإ طبي و قد تم إطلاق سراحها في ساعة متأخرة يوم الإثنين 6 فيفري بعد التحركات العارمة التي خاضها زملاؤها في مختلف الجهات. و لأن المصيبة عندما تحصل تحمل معها مصائب أخرى فإن القطاع الصحي فجع يوم الإثنين أيضا بوفاة طبيبة حامل أثناء القيام بعملها بمستشفى بوحجلة بالقيروان. و ليس من الغريب أن تكون إثنين من بين الضحايا من النساء . لذلك سيكون يوم الأربعاء 8 فيفري يوم غضب للأطباء التونسيين بجميع أصنافهم حيث سيضرب أطباء القطاع الخاص و القطاع العام وسيحتجون في الشوارع بميدعاتهم البيضاء. و إذا كان لا بد من قطرة تفيض الكأس فأن الكيل كان طافحا منذ زمان.

إيقاف تحفظي غير مبرر و تطوير التشريعات من أهم المطالب
لقد مثل سجن الطبيبن اسنفزازا حادا لقطاع الاطباء. وقد ذهب عديد المختصين في القانون بالقول أن الإيقاف التحفظي لم يكن مبررا في الحالتين و أنه استعمال مفرط للقوة القانونية. فالخطأ الطبي لا يمكن إقراره إلا بالبحث المعمق بما في ذلك الإختبار الطبي. من جهة أخرى فإن الإيقاف التحفظي يمثل إجراء استثنائيا يتم اللجوء إليه متى مثل المتهم خطرا على الأمن العام و هو ما لم يتوفر في هاتين الحالتين.. و قد أحدث هذا الإيقاف مخاوف كبيرة لدى الأطباء و الحال أن كلهم معرضون للسجن باعتبار أنه و لا أحد منهم بإمكانه ضمان نجاح علاج مريضه بنسبة المائة بالمائة و أن كل مريض يخضع للعلاج معرض للتعقيدات و الموت كما تثبته الدراسات العلمية. كما أن خصوصية العمل الطبي الذي يتدخل لدى أناس هم مرضى أصلا يجعلهم يقاومون الموت فتارة ينتصرون و تارة ينهزمون. فالنشاط

الطبي يتطلب حدا أدنى من الطمأنينة sérénité و الثقة بين المريض والطبيب. و من مخاطر هذه الإيقافات التحفظية أن تصبح مثل سيف داموقليس تنسف أسس العلاج من أصله.

لقد اهتدت عديد البلدان مثل فرنسا إلى صياغة تشريعات خصوصية للقطاع الصحي تحمي حقوق المريض المتضرر بأقل التعقيدات الإدارية كما تحمي الطبيب أثناء ممارسته لواجباته. و قد تشكلت في وزارة الصحة منذ أكثر من سنتين لجنة مشتركة لصياغة تشريع مماثل و صاغت نصا أوليا و لكن ألقي به في أدراج الوزارة و لفه الغبار. هكذا لأن من عادة التونسيين العمل تحت وطأة الأزمة..و قد حان الوقت اليوم لنفض الغبار عنه و تحيينه في أسرع وقت حماية لحقوق المريض أولا وطمأنة جميع الأطراف المتدخلة ثانيا.

القطاع الصحي العمومي: دار لقمان على حالها
لقد كان سجن الطبيبة في سوسة منطلقا لتحركات احتجاجية منذ يوم الإثنين في عديد الجهات و بدأ الأطباء إضرابا مفتوحا تنسيقا و تشبيكا مع إضراب أطباء القطاع الخاص يوم الأربعاء 8 فيفري. هذا الغضب والإحتقان يعكس تدهور الأوضاع المتردية التي وصل إليها القطاع الصحي العمومي الذي لا يرضى عنه المواطن و لا يرضى عنه العاملون به سواء كانوا أطباء أو ممرضين. فالقطاع العام يعيش مشاكل التمويل حيث ترزح اغلب المستشفيات تحت نير الديون الطائلة كما أن التجهيزات و البناءات لم تعد تفي بالحاجة علاوة على الإكتظاظ و الضغط الكبير لحجم العمل و نقص الأدوية و نقص التجهيزات و نقص الموارد البشرية من أطباء و ممرضين و اعوان. فالتحدي بالنسبة للمستشفيات العمومية التونسية لم يعد التحدي الكمي الذي حققه القطاع منذ سنوات بل أصبح المواطن التونسي يطمح إلى قيمة عالية للخدمات الصحية ويطمح إلى النوعية سواء خلال الإستقبال أو الإقامة أو العلاج وهو ما أحدث تناقضا بين مواطن تتنامى طلباته المشروعة من القطاع الصحي و مؤسسات صحية لم تتطور بما فيه الكفاية لمواكبة هذا الطلب سواء لنقص التمويلات أو لضعف في الحوكمة والتسيير. وما يثير غضب الأطباء وانفجارهم أنهم و رغم ظروفهم المادية الصعبة و ظروف العمل القاسية في المستشفيات فإنهم يحسون أنفسهم بين مطرقة الإمكانيات المحدودة و بين سندان متطلبات المواطن و قد يكونون في نهاية المطاف كبش فدا كما حصل للزميلة في سوسة.

والمؤسف أن الجميع لا يرى بصيصا من الضوء في أخر النفق. فالفريق الوزاري لا يملك على ما يبدو خريطة طريق واضحة للإصلاحات و إنما يكتفي بتدبير الشؤون اليومية على نسق روتيني دون مشروع واضح المعالم في حين أن القطاع الصحي العمومي يحتاج إلى جرعة قوية من الإصلاحات تثبت مكاسبه و تطوره نحو الأفضل.

القطاع الصحي الخاص: الشجرة التي قد تخفي الغابة
يعتبر إضراب أطباء القطاع الخاص حدثا تاريخيا فارقا في هذا القطاع الذي لم يخض مثل هذا التحرك منذ سنوات و تحديدا قبل الثورة. و يعكس هذا الإضراب الأزمة العميقة التي يعيشها القطاع. فقد انعكست الأزمة الاقتصادية مباشرة على المقدرة الشرائية للمواطنين و انجر عنها ضعف في مردودية العيادات الخاصة والمصحات. من جهة أخرى كان الاشقاء الليبيون يمثلون نسبة هامة من نشاط القطاع الصحي الخاص ولكن الأزمة السياسية التي يعيشها البلد الشقيق انعكست سلبا على القطاع. ورغم محاولات التوجه نحو الأشقاء الجزائريين والبلدان الأفريقية فإن التطور لا يزال بطيئا علاوة على أن وزارة الصحة لا تبدي أي اهتمام على ما يبدو بهذا القطاع الذي يشغل عشرات الآلاف بين شغل مباشر و غير مباشر ويمتلك أفاق رحبة لتطوير السياحة الصحية. من جهة ثالثة فإن الصندوق الوطني للتامين على المرض الذي يمول جزءا من القطاع الخاص يعيش صعوبات كبيرة ناجمة عن الأزمة الهيكلية لصناديق الضمان الاجتماعي. فمن جهة لم يطور الصندوق انفتاحه على القطاع الخاص ولم يغير و لو فاصل واحد في اتفاقية 2008 رغم الطلبات المتكررة

للأطباء ومن جهة أخرى يتأخر و يبطئ في سداد مستحقات مسديي الخدمات الصحية من أطباء وصيادلة و مصحات مما جعل تلك الأطراف تهدد في كل مرة بإنهاء تعاقدها مع الصندوق وهو ما ينعكس سلبا ومباشرة على المرضى.

وأخيرا يشتكي أطباء القطاع الخاص من التشدد في الإجراءات الجبائية و استهدافهم من خلال قانون المالية لسنتي 2016 و 2017 و يعتبرون أن الإجراءات الجبائية الأخيرة قد تؤدي بالقطاع إلى الغرق نهائيا في ظل الأزمة التي يعيشها القطاع. و فيما تعتبر نقابات القطاع الصحي الخاص أن الأطباء يؤدون دورهم الجبائي و هم على استعداد لتطوير ذلك الأداء فإنهم يعتبرون أن الهرسلة التي يتعرض لها الأطباء والشيطنة والتشدد التي تبديه الإدارة قد يؤدي إلى نتائج عكسية.

هل هي ثورة الأطباء؟ قد يكون المصطلح مبالغا فيه..ولكن ليس هنالك أدنى شك بأن القطاع الصحي بجناحية الخاص و العام يعيش حالة غضب و انفجار إزاء الأزمة التي يمرّبها. و ما على السلط العمومية إلا أن تبدأ بحوار معمق مع جميع الأطراف يفضي إلى خارطة طريق تحتوي على حزمة إصلاحات أصبحت اليوم حيوية وضرورية للقطاع.

بقلم: د. عبد المجيد المسلمي

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115