بعد تلاسن جديد بين أنقرة وواشنطن: مآلات أزمة «الليرة» وتأثيراتها على اقتصاد تركيا

كان انهيار العملة التركية مؤخرا وهبوطها الى مستويات قياسية مفاجئا لجيران انقرة والمجتمع

الدولي بصفة عامة لما حمله من تأثيرات صاعقة على الاقتصاد التركي بعد سنوات من محاولات حكومة رجب طيب اردوغان اعادة العجلة الاقتصادية في البلاد الى مسارها الصّحيح بعد تأثرها بعدة تراكمات داخلية وأخرى اقليمية ودولية كانت سببا في تراجع المؤشرات الاقتصادية لتركيا، إلاّ أنّ الانهيار الذي صعق «الليرة التركية» مؤخرا بسبب الصدام بين انقرة وواشنطن حول قضية القس الامريكي المسجون في انقرة كان اخطر ما حل باقتصاد انقرة من عقود طويلة .

وتتتالى القراءات للمشهد التركي الحالي منقسمة بين من يرى ان الاقتصاد التركي سينجو من مأزقه الحالي فيما يرى اخرون ان الازمة التركية الحالية بحاجة لوقت طويل ليتعافى اقتصاد البلاد من مؤثرات هذه الرجة التي طالته. اذ يرى متابعون ان الازمة الراهنة لم تكن مفاجئة بل متوقعة بالعودة الى عدة إشكالات هيكلية يعاني منها المشهد في انقرة سواء على الصعيد السياسي او الاجتماعي والاقتصادي ايضا.

ويوم امس الخميس تراجعت الليرة ايضا لتظل تحت الضغط مجددا، وقالت أنقرة إن واشنطن تشن «حربا اقتصادية» و»لا تبدي احتراما للنظام القضائي» فيما يتعلق بقضية أندرو برانسون الذي يحاكم في تركيا بتهم إرهاب وهي القضية التي أضرت بالعلاقات بين البلدين العضوين في حلف شمال الأطلسي.ونزلت اللّيرة 1.1 بالمائة إلى 6.1000 مقابل الدولار بعد إغلاقها عند 6.0330 ليرة.

والعملة منخفضة 38 بالمائة هذا العام وتغذي أزمة العلاقات الأمريكية التركية خسائرها التي أطلقتها ابتداء بواعث القلق من نفوذ الرئيس رجب طيب أردوغان على السياسة النقدية.

الازمة التركية الامريكية
وبخصوص الازمة بين امريكا وتركيا وأسباب تأجيجها من جديد قال الكاتب والمحلل السياسي السوري سومر سلطان أنه «لا بد أولاً أن ننتبه إلى استفادة أحد الطرفين، أو كليهما، من هذه الأزمة. في الجانب الأمريكي نلاحظ أن الرئيس دونالد ترامب تمكن من تقديم عربون حسن نية لجماعة البروتستانتية الإيفانجيلية، التي ينتمي إليها الراهب أندرو برونسون، والتي دعمته في حملته الرئاسية، وذلك عشية انتخابات الكونغرس. وفي الجانب التركي، نلاحظ أن الرئيس رجب طيب أردوغان تمكن من إلقاء مسؤولية الأزمة الاقتصادية عن كاهله، وإلباس الأزمة لبوس الحرب الوطنية».
وتابع محدثنا «بناءً عليه، حتى الآن ليست هذه الأزمة مما يمكن البناء عليه كثيراً فيما يتعلق بمصالح الشعوب المضطهدة في منطقتنا، والتي عانت من النظامين الأمريكي والتركي معاً. وفيما يتعلق بتركيا نفسها، لا شك أنه، وحتى لو أخذت دول أوربية وعربية معينة بتقديم المساعدات المالية لها، فإن استمرار الاقتصاد التركي بشكله الحالي المعتمد على المضاربات، والذي نقصت مساهمة الاقتصاد الحقيقي المنتج فيه إلى درجات خطيرة، حتى أصبحت دولة كتركيا تستورد العلف الحيواني، يعني أن الأزمة مستمرة ومزمنة. وهذا يدفعنا إلى استنتاج أن العام 2019 سيشهد مزيداً من الهزات الاجتماعية في مجتمع ضعيف أصلاً، بعد أكثر من 16 عاماً من السياسات العنصرية لحكومة الإخوان المسلمين الممثلين بحزب العدالة والتنمية». واكد الكاتب السوري أن هناك امكانية لإعادة انتشار المنظمات المسلحة في السنوات القادمة، كما حصل بعد حرب الخليج في مطلع التسعينات ، عندما انتشرت حالة من الفلتان الأمني والعنف، فاقم منها قمع الدولة الوحشي، حتى أن تلك المرحلة توصف اليوم بمرحلة القبور الجماعية والجرائم المسجلة ضدّ مجهول وفق تعبيره.

مآلات الصدام
وبخصوص مآلات الصدام الامريكي التركي الاخير اكد محدثنا انه لا بدّ من التوقف عند دور ما يسمى بالدولة العميقة في كلا البلدين، وتأثيرها على السياسة الخارجية. مضيفا أن هذه النقطة تجعل من الصعب تحديد الخط الأحمر الذي ستتوقف عنده كل من الدولتين في أزمتها مع الدولة الأخرى، فالدولة العميقة، ورغم طبيعتها القومية المتشددة، قد تفضل مصلحتها الخاصة على مصلحة البلاد.

وتابع «ولكن يمكن لنا مبدئياً أن نستذكر أن الدولة التركية قد منعت للضغوط عليها أمام الدول الأخرى، المصنفة على أنها أضعف من الولايات المتحدة الأمريكية، مثل ألمانيا وهولندا وصولاً إلى روسيا. هذا يدفعنا إلى توقع تقديم الأتراك لما يرضي الأمريكيين، ولكن ضمن سياق يحفظ الحد الأدنى من عزتهم القومية».
وبخصوص الأزمة الاقتصادية، اجاب الكاتب السوري انه لا بدّ من التفريق بين الأزمة الحقيقية الناجمة عن الانهيارات البنيوية في الاقتصاد التركي والأزمة الصورية الناجمة عن تصعيد الولايات المتحدة، وتهديدات ترامب. مرجحا أن الأزمة مستمرة، وحقيقية. وأضاف أنها «ستنتهي بانتهاء أزمة الراهب. ويتطلب في أحسن الأحوال تغييرات جذرية في الاقتصاد لتحويله من اقتصاد البناء، أو ما يسمى باقتصاد البيوت مجازاً، إلى اقتصاد إنتاجي. بانتظار هذا ستتقلى تركيا في أزمات مستمرة ومزمنة» .

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115