بين المستعجل والعاجل والمؤجل: مجلس نواب الشعب أمام تحديات من أجل استكمال مشاريع القوانين قبل نهاية السنة النيابية

تتوقف أشغال مجلس نواب الشعب بداية من اليوم على أن تستأنف مباشرة بعد عطلة عيد الفطر، ليجد البرلمان نفسه أمام جملة من التحديات والصعوبات، تنحصر بالأساس في المصادقة على مشاريع قوانين مهمة في إطار استكمال ترسانة القوانين المتعلقة بمكافحة الفساد. كما سيكون ضيق الوقت

من أهم العوامل التي ستكثف من أعمال اللجان البرلمانية خلال المدة القادمة، من أجل التوافق حول وضعية الهيئات الدستورية محل الخلاف، بالاضافة إلى المصادقة على مجلة الجماعات المحلية وقانون الميزانية، وتوضيح مصير قانون المصالحة.

لا تزال عديد مشاريع القوانين تنتظر مجلس نواب الشعب بعد عطلة عيد الفطر سواء على مستوى اللجان البرلمانية من أجل استكمال المناقشة، أو على مستوى الجلسة العامة من أجل المصادقة عليها. مشاريع قوانين طال انتظارها، ولا تخلو من أهمية تمت إحالتها يوم أمس من قبل مكتب المجلس فور المصادقة عليها من قبل اللجان البرلمانية. مجلس نواب الشعب سيكون على موعد مع جلسة عامة بداية من يوم الثلاثاء القادم، من أجل المصادقة على ثلاثة مشاريع قوانين، أهمها مشروع القانون المتعلق بالأحكام المشتركة بين الهيئات الدستورية المستقلة والذي صادقت عليه لجنة التشريع العام في بحر هذا الأسبوع، بالإضافة إلى مشروع القانون المتعلق بهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، المصادقة عليه من قبل لجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح، في إطار استكمال الترسانة التشريعية المتعلقة بمكافحة الفساد، وفي الأخير من المنتظر أن تتم المصادقة على مشروع لائحة حول المطالبة بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع الجمهورية العربية السورية والتي تم تأجيل النظر فيها في أكثر من مناسبة.
هذا ومن المنتظر أن يتم تحديد جلسة عامة من أجل المصادقة على مشروع القانون المتعلق بالقضاء على العنف ضد المرأة، بعد المصادقة عليه من قبل لجنة الحقوق والحريات والعلاقات الخارجية أول أمس.

ملاءمة مشاريع قوانين مكافحة الفساد
مشاريع القوانين المعروضة على أنظار الجلسة العامة تعتبر من أهم مشاريع القوانين التي نظرت فيها اللجان البرلمانية في شهر رمضان، خصوصا وأنها حضيت بتوافق واسع بين مختلف الكتل البرلمانية، باستثناء بعض الخلاف حول مشروع قانون هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، باعتبار مطالب بعض الكتل المطالبة بالنظر في مشاريع القوانين المتعلقة بالفساد في آن واحد، من بينها مشروع قانون الأحكام المشتركة للهيئات الدستورية المستقلة وهو ما تمت الاستجابة له، ومشروع قانون مكافحة الإثراء غير المشروع، وذلك من أجل ملاءمتها مع مشروع قانون هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد. مشروع القانون يهدف بالأساس إلى تنظيم صنف الهيئات الدستورية المحدث بمقتضى الباب السادس من الدستور وضبط الآثار القانونية المترتبة عن الطبيعة المستقلة المسندة لها. كما يضبط المبادئ والقواعد المشتركة المنطبقة عليها. وفي ظل الأحكام المشتركة للهيئات الدستورية حسب الفصل 125 من الدستور، والمتمثلة في خمس هيئات دستورية مستقلة وهي كل من الهيئة العليا المستقلة للانتخابات وهيئة الاتصال السمعي البصري وهيئة حقوق الإنسان وهيئة التنمية المستدامة وحقوق الأجيال القادمة وهيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد. هذا وقد جاء مشروع القانون من أجل توحيد الأطر القانونية للهيئات الدستورية، حيث يجب تعريف مفاهيم الاستقلالية واستخلاص النتائج القانونية المترتبة عنها خصوصا وأنها تابعة للدولة وليست بمستقلة عن السلطة القضائية على غرار أنها تخضع لرقابة القضاء الإداري في ما يتعلق بمشروعية قراراتها ولرقابة القضاء العدلي في علاقتها بالغير. وبما أن الهيئات الدستورية المستقلة تعمل بالاعتماد على المال العام فإنها خاضعة بالأساس إلى رقابة محكمة المحاسبات.

نحو إرساء هيئة مكافحة الفساد
وفي ظل هذا الترابط بين مشروعي القانون المذكورين، فإن مشروع قانون هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد يهدف بالأساس إلى إرساء هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد، والتي ستكون أحد الفاعلين الأساسيين ضمن المنظومة الوطنية لمكافحة الفساد، في ظل انتشار هذه الظاهرة وما تمثله من خطر على المجتمع وتهدد الاستقرار السياسي وتعطل التنمية المستدامة، وذلك حسب الفصل 130 من الدستور «تسهم هيئة الحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد في سياسات الحوكمة الرشيدة ومنع الفساد ومتابعة تنفيذها ونشر ثقافتها، وتعزز مبادئ الشفافية والنزاهة والمساءلة».

هذا وستعمل الهيئة حسب مشروع القانون، على رصد حالات الفساد في القطاعين العام والخاص، والتقصي فيها، والتحقق منها ثم إحالتها على الجهات المعنية، على أن تستشار الهيئة وجوبا في مشاريع القوانين المتصلة بمجال اختصاصها، إلى جانب أنها تبدي الرأي في النصوص الترتيبية العامة في نفس المجال. وتتكون الهيئة من أعضاء مستقلين محايدين من ذوي الكفاءة والنزاهة، يباشرون مهامهم لفترة واحدة مدتها ست سنوات، ويجدد ثلث أعضائها كل سنتين باعتماد القرعة، ولا يكون الرئيس معنيا بالتجديد. كما يرمي مشروع القانون إلى تنفيذ الالتزامات الدولية للجمهورية التونسية بعد الإمضاء على اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، والاتفاقية العربية التي صادق عليها مجلس نواب الشعب. كما يمكن للهيئة إحداث فروع لها داخل تراب الجمهورية بقرار من مجلس الهيئة الذي يتكون من تسعة أعضاء يتم انتخابهم من قبل مجلس نواب الشعب حسب الأصناف التالية، قاضي عدلي، قاضي مالي، قاضي إداري، محام، مختص في مراقبة الحسابات أو التدقيق، مختص في العلوم الاجتماعية، مختص في المالية العمومية أو الجباية أو الرقابة الإدارية والمالية، مختص في الاتصال والإعلام، عضو ناشط بمنظمات وجمعيات المجتمع المدني المعنية بالحوكمة الرشيدة ومكافحة الفساد لمدة لا تقل عن ثلاث سنوات، في حين أن بقية الأصناف يجب أن يكون لهم أقدمية 10 سنوات في تاريخ تقديم الترشح.

نحو إعادة العلاقات مع سوريا
من جهة أخرى، همناك مشروع لائحة حول المطالبة بإعادة العلاقات الدبلوماسية مع الجمهورية العربية السورية طبقا لأحكام الفصل 141 من النظام الداخلي، بعد تأجيل النظر فيها في جلسة عامة سابقة. وينص الفصل 141 على أنه «يمكن لكل رئيس كتلة بمجلس نواب الشعب التقدم بلائحة لمناقشتها والمصادقة عليها في الجلسة العامة بهدف إعلان موقف حول موضوع وحيد على ألا يتعلق محتوى اللائحة بإحدى اللوائح المنظمة بالنظام الداخلي». وحسب مشروع اللائحة، فقد اعتمدت وثيقة شرح الأسباب على ما تضمنته توطئة الدستور من ضرورة دعم الوحدة المغاربية باعتبارها خطوة نحو تحقيق الوحدة العربية. وبناء على أن تونس عضو بجامعة الدول العربية، وعلى ما أعلنه رئيس الجمهورية أثناء الحملة الانتخابية الرئاسية من وعد بإعادة العلاقات مع سوريا وذلك تفاديا لخطإ القطع معها من قبل الرئيس السابق محمد المنصف المرزوقي. كما اعتمدت الوثيقة على أهمية التعاون بين مؤسسات البلدين في الحرب ضد الإرهاب والتوقي من مخاطره، فإن مجلس نواب الشعب يدعو رئيس الجمهورية إلى اتخاذ الإجراءات اللازمة لإعادة العلاقات بين البلدين في نطاق الصلاحيات المسندة له بمقتضى الفصل 77 من الدستور.

تحديات بالجملة أمام اللجان
مشاريع القوانين الهامة لم تقتصر على الجلسة العامة فقط، بل ستكون اللجان البرلمانية أمام مهمة صعبة في ظل ضيق الوقت باعتبار أن السنة النيابية الحالية شارفت على الانتهاء، وبذلك يدخل نواب الشعب في عطلة برلمانية، وإن لم تحدد إلى الآن إلا أنها قد تكون كامل شهر أوت. المهمة الصعبة تكمن في المصادقة على مشروع مجلة الجماعات المحلية المحالة على أنظار لجنة تنظيم الإدارة وشؤون القوات الحاملة للسلاح والتي لا تزال في الطور الأول من جلسات الاستماع، مع اعتبار أن المجلة تضم 363 فصلا. كما ستتواصل عثرات مشروع قانون المصالحة صلب لجنة التشريع العام، مع تجدد الخلاف في أكثر من مناسبة، على غرار تأجيل الجلسات من أسبوع إلى آخر وهو ما طرح عديد التساؤلات حول مصير هذا المشروع، خصوصا وأن مكتب اللجنة دائما ما يتحجج بوجود رئيس اللجنة في مهمة عمل.

في حين تواصل لجنة الحقوق والحريات النظر في مشروع القانون المتعلق بتنقيح واتمام القانون عدد 27 لسنة 1993 المؤرخ في 22 ومارس 1993 المتعلق ببطاقة التعريف الوطنية، وتواصل لجنة الصحة والشؤون الاجتماعية النظر في مشروع القانون المتعلّق بإحداث المجلس الوطني للحوار الاجتماعي وضبط مشمولاته وكيفية تسييره، بالاضافة إلى لجنة الصناعة التي تواصل النظر في مشروع قانون يتعلق بالموافقة على الملحق عدد 3 المنقح للاتفاقية وملحقاتها الخاصّة برخصة البحث عن المحروقات التي تعرف برخصة «برج الخضراء». لجنة المالية بدورها ستكون أمام مشروع قانون مرتبط بمشروع مجلة الجماعات المحلية، وهو مشروع القانون المتعلق بالميزانية والذي لا يزال بدوره في طور جلسات الاستماع، على أن يتم الانتهاء منه مباشرة مع استئناف أشغال البرلمان. التحديات بدورها لن تقتصر على مشاريع القوانين المعروضة على كامل اللجان تقريبا بين المهم والمستعجل والمؤجل والقوانين العادية، إلا أن رئاسة المجلس أمام مهمة كسب التوافق من أجل استكمال فرز الترشحات لكل من هيئة العليا المستقلة للانتخابات والمحكمة الدستورية وهيئة النفاذ إلى المعلومة، مع محاولة فض الخلاف الحاصل مؤخرا حول سقوط الأسماء المرشحة في جلسة عامة مخصصة لسد الشغور صلب هيئة الحقيقة والكرامة.

المشاركة في هذا المقال

من نحن

تسعى "المغرب" أن تكون الجريدة المهنية المرجعية في تونس وذلك باعتمادها على خط تحريري يستبق الحدث ولا يكتفي باللهاث وراءه وباحترام القارئ عبر مصداقية الخبر والتثبت فيه لأنه مقدس في مهنتنا ثم السعي المطرد للإضافة في تحليله وتسليط مختلف الأضواء عليه سياسيا وفكريا وثقافيا ليس لـ "المغرب" أعداء لا داخل الحكم أو خارجه... لكننا ضد كل تهديد للمكاسب الحداثية لتونس وضد كل من يريد طمس شخصيتنا الحضارية

النشرة الإخبارية

إشترك في النشرة الإخبارية

اتصل بنا

 
adresse: نهج الحمايدية الطابق 4-41 تونس 1002
 
 
tel : 71905125
 
 fax: 71905115